يكون الشيء مباحًا ولكنه يؤول إلى مفسدة أكبر فيحرم، وقد يكون الشيء مفسدة ولكنه يؤول إلى مصلحة أكبر فيجوز، يقول الشاطبي"النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا، كانت الأفعال موافقة أو مخالفة، وذلك أن المجتهد لا يحكم على فعل من الأفعال الصادرة من المكلفين بالإقدام أو بالإحجام إلا بعد نظره إلى ما يؤول إليه ذلك الفعل، فقد يكون مشروعًا لمصلحة فيه تستجلب، أو لمفسدة تدرأ، ولكن له مآل على خلاف ما قصد منه، وقد يكون غير مشروع لمفسدة تنشأ عنه أو مصلحة تندفع به، ولكن له مآل على خلاف ذلك · فإذا أطلق القول في الأول بالمشروعية فربما أدى استجلاب المصلحة فيه إلى مفسدة تساوي المصلحة أو تزيد عليها، فيكون هذا مانعًا من إطلاق القول في الأول بالمشروعية، وكذلك إذا أطلق القول في الثاني بعدم المشروعية ربما أدى استدفاع المفسدة إلى مفسدة تساوي أو تزيد، فلا يصح إطلاق القول بعدم المشروعية، وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه عذب المذاق محمود العبء جار على مقاصد الشريعة" (1) ·
وبهذا فإن العمل قد يكون مشروعًا بالأصل، لكنه ينهى عنه لما يؤول إليه من المفسدة، وقد يكون ممنوعًا فيترك النهي عنه لما في ذلك من المصلحة · وقد يعبر عن الحالة الأولى للمآل بسد الذرائع، حيث يحرم الشيء المباح لكونه مفضيًا إلى مفسدة راجحة ويعبر عن الحالة الثانية للمآل بفتح الذرائع حيث يباح المحرم لكونه مفضيًا إلى مصلحة راجحة (2) ·
ومثال الحالة الأولى دفع المال للمحاربين فإنه فعل الأصل فيه المنع لأن فيه مفسدة تقوية المشركين وعونهم على حربنا ولكنه ذريعة إلى مصلحة راجحة على تلك المفسدة، وتتمثل المصلحة في إنقاذ الأسرى المسلمين من الاسترقاق والقتل والفتنة في الدين ··· وأما الحالة الثانية -وهي ما كانت مصلحة مباحة في أصلها ولكنها مفضية إلى مفسدة أكبر من المصلحة أو مساوية لها فحرمت- فمثال ذلك سب آلهة المشركين بين ظهرانيهم فإنه فعل مباح في أصله لما يترتب عليه من مصلحة التحقير لآلهة المشركين ولكن هذا الفعل يؤدي إلى مفاسد راجحة على مصلحة السب وهي أن سب آلهة المشركين يدفعهم إلى سب الله تعالى لذلك نهى الله عن سب آلهة المشركين فقال تعالى: ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوًا بغير علم (3) ·
الثالث: إذا كان الترجيح بين المصلحة والمفسدة المتعارضتين يتم للغالب منهما على