مصلحة ومفسدة يعني ذلك إهدارًا للمصلحة وتجنبًا للمفسدة · وذهب بعض العلماء إلى أن المكلف -عند التساوي- يكون مخيرًا بين جلب المصلحة أو درء المفسدة (1) ·
والحقيقة أن رأي الجمهور هو الراجح وذلك لما سبق ذكره من أدلة تقديم درء المفسدة على جلب المصلحة عند التساوي، ولا بد لنا في هذا المبحث من التنبيه إلى ثلاثة أمور:
الأول: أن قاعدة (درء المفسدة مقدم على جلب المصلحة) ليست على إطلاقها -كما شاع وفهم على غير وجهه- وإنما هي خاصة فيما إذا تعادلت المصلحة والمفسدة أو كانت المفسدة هي الغالبة، أما إذا كانت المصلحة أكبر من المفسدة فيقدم جلب المصلحة على درء المفسدة، يقول العز بن عبد السلام"إذا اجتمعت مصالح ومفاسد، فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك، امتثالًا لأمر الله تعالى فيهما لقوله سبحانه: فاتقوا الله ما استطعتم (2) · وإن تعذر الدرء والتحصيل، فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة، درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة··· وإن كانت المصلحة أعظم من المفسدة حصلنا المصلحة مع التزام المفسدة (3) ·"
ويقول الإمام ابن تيمية -تحت عنوان القاعدة العامة-"إذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فإنه يجب ترجيح الراجح منها فيما إذا ازدحمت المصالح والمفاسد، وتعارضت المصالح والمفاسد، فإن الأمر والنهي وإن كان متضمنًا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر لم يكن مأمورًا به، بل يكون محرمًا إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته، لكن اعتبار مقادير المصالح والمفاسد هو بميزان الشريعة فمتى قدر الإنسان على اتباع النصوص لم يعدل عنها وإلا اجتهد برأيه لمعرفة الأشباه والنظائر ···" (1) ·
الثاني: إنه عند الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة في أمر واحد يجب النظر إلى ذلك الأمر من جهتين · ما يتضمنه في تلك الآونة وما يؤول إليه فيما بعد، إذ إن الأمر قد يبدو متضمنًا مفسدة ولكنه بالنظر إلى ما سيؤول إليه سيفضي إلى مصلحة أكبر، فينتهي منه حكم المنع ويصير حكمه الجواز، وكذلك فإن الأمر قد يبدو متضمنًا مصلحة ولكنه سيؤول إلى مفسدة مساوية لتلك المصلحة أو أكبر منها فيكون حكمه المنع، وبذلك فإن النظر في مآلات الأشياء أمر لا بد منه للحكم عليها حكمًا صحيحًا، فقد