المبحث الثالث ...: الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأعلاهما رتبة ·
المبحث الرابع ...: الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأعلاهما نوعًا ·
المبحث الخامس: الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأعمهما ·
المبحث السادس: الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأكبرهما قدرًا ·
المبحث السابع ...: الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأطولهما زمنًا ·
المبحث الثامن: الترجيح بين المصلحة والمفسدة بآكدها وقوعًا ·
المبحث الأول
تمهيد حول الموازنة بين المصالح والمفاسد
إذا اجتمع في أمر من الأمور مصلحة ومفسدة فيجب تحصيل المصلحة ودرء المفسدة، فإن تعذر ذلك وكان لا بد من حدوثهما معًا ففي هذه الحالة يجب النظر إلى جانبي ذلك الأمر، فإن كانت المصلحة فيه أعظم من المفسدة فإنه يتعين تحصيل ذلك الأمر لما فيه من المصلحة ولا يضيره ما تضمنه من مفسدة، وإن كان جانب المفسدة هو الغالب بأن كانت المفسدة أعظم خطرًا من نفع المصلحة وجب درء المفسدة بترك ذلك الأمر غير مبالين بما فيه من مصلحة، فإن تساوى الجانبان (المصلحة والمفسدة) ولم يظهر رجحان أحدهما على الآخر فيتعين ترك ذلك الأمر تغليبًا لجانب المفسدة فيه (1) لأن في درء المفسدة جلبًا للمصلحة، أما في جلب المصلحة فلا يتحقق درء المفسدة وما يتحقق برعايته رعاية الآخر يكون أولى، فكان درء المفسدة أولى من جلب المصلحة، ولهذا فإن اعتناء الشارع بالمنهيات أشد من اعتنائه بالمأمورات (2) · قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم) (3) · فالحديث بين أن المنهيات يجب الانتهاء عنها على كل حال، بينما القيام بالمأمورات مشروط بالقدرة والاستطاعة وبهذا فإن غير المشروط أظهر في الرعاية من المشروط لأن الشرع لما قدر الانتهاء بإطلاق من غير شرط، كان قصد الانتهاء عن كل منهي عنه أظهر، وهو المطلوب، ولهذا فقد وضع الفقهاء قاعدة مشهورة بقولهم"درء المفسدة أولى من جلب المصلحة"وتقديم درء المفسدة على جلب المصلحة -عند تساويهما- هو ما ذهب إليه جمهور علماء المسلمين، أما بعض العلماء فقد ذهبوا إلى أنه يتوقف عنهما، وهذا الرأي قريب من رأي الجمهور لأن توقف المكلف عن فعل الشيء بما فيه من