الصفحة 40 من 69

نرجح درء المحقق وقوعها على الموهومة، ولا داعي للنظر في المعايير السابقة إلا إذا استوت المفسدتان في مدى تحقق الوقوع، لأن الفعل إنما يتصف بكونه مصلحة أو مفسدة بحسب ما ينتج على صعيد الواقع (1) ·

وعلى هذا فلا يجوز ترجيح مفسدة على أخرى وتقديمها في الدرء إذا كانت موهومة الوقوع مهما كانت رتبتها أو رتبة الحكم الشرعي فيها أو نوعها أو مقدارها"بل لا بد إلى جانب هذا أن تكون مقطوعة الحصول أو مظنونة، أما مقطوعة الحصول فواضح، وأما المظنونة فلأن الشارع قد نزل المظنة منزلة المئنة في عامة الأحكام، ما لم ينسخ الظن بيقين معارض" (2) ·

ومن الأمثلة لترجيح درء المفسدة المحققة على المفسدة الموهومة مسألة الإجهاض · فمن المعلوم أن إجهاض الجنين بعد أن مر عليه في بطن أمه أربعة أشهر يعد جريمة يحرمها الشارع (3) ومفسدة حقيقية يجب اجتنابها ولكنه يجوز الإجهاض في حالة الضرورة التي يؤكد فيها الطبيب العدل أن حياة الأم معرضة للخطر في حالة استمرار الجنين في بطنها، ففي حالة الضرورة هذه يكون الإجهاض لدرء مفسدة أكبر وهو هلاك الأم أو إصابتها بأمراض خطيرة ·

أما إذا كان الإجهاض لدرء مفسدة موهومة غير محققة الوقوع فلا يجوز، كأن يتوهم أن الجنين قد يضر الأم فلا يجوز في هذه الحالة ارتكاب الإجهاض لأنه مفسدة محققة بينما ضرر الأم مفسدة موهومة، وأشد من ذلك جرمًا أن يكون الدافع للإجهاض هو الخوف من عدم القدرة على تربية الطفل أو الإنفاق عليه أو تغير هندام الأم فهذه مفاسد موهومة لا يجوز أن يرتكب من أجلها الإجهاض (1) ·

الفصل الرابع

الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة

في هذا الفصل سنعرض لمعايير الموازنة بين المصالح والمفاسد المتعارضة مبتدئين ذلك بمبحث تمهيدي حول تعارض المصلحة مع المفسدة ثم نعرض لمعايير الموازنة والترجيح بين المصلحة والمفسدة مرتبين ذلك على النحو الآتي:

المبحث الأول ...: تمهيد حول تعارض المصالح مع المفاسد ·

المبحث الثاني ...: الترجيح بين المصلحة والمفسدة بأعلاهما حكمًا ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت