مخلوق"وظل على موقفه هذا حتى أفرج عنه وهو على شفا الهلاك (1) وكان بصبره هذا قد درأ عن الأمة مفسدة كبرى في دينها متحملًا في سبيل ذلك ما ينزل به من عذاب ·"
قال المروزي -أحد تلامذة الإمام- في محنة أستاذه وهو بين الهنبازين، يا أستاذ: قال الله تعالى: ولا تقتلوا أنفسكم فقال أحمد: يا مروزي، اخرج انظر أي شيء ترى، قال: فخرجت إلى رحبة دار الخلافة، فرأيت خلقًا من الناس لا يحصي عددهم إلا الله، والصحف في أيديهم، والأقلام والمحابر في أذرعتهم فقال لهم المروزي: أي شيء تعملون؟ قالوا: ننتظر ما يقول أحمد فنكتبه، فقال المروزي: مكانكم، فدخل إلى أحمد بن حنبل وهو قائم بين الهنبازين، فقال لقد رأيت قومًا بأيديهم الصحف والأقلام ينتظرون ما تقول فيكتبون · فقال: يا مروزي، أضل هؤلاء كلهم؟ أقتل نفسي ولا أضل هؤلاء (1) ·
المبحث السادس
المعيار الرابع: درء أعم المفسدتين
إذا اتحدت المفسدتان المتعارضتان في رتبة الحكم ورتبة المفسدة ونوعها فيلزم للترجيح بين المفسدتين أن ننظر فيهما من حيث العموم والخصوص، فإن استوتا بأن كانتا عامتين أو خاصتين فيجب البحث عن مرجح آخر، وإن اختلفتا بأن كانت إحدى المفسدتين عامة والأخرى خاصة فيرجح درء المفسدة العامة على المفسدة الخاصة ·
وعلى هذا لو تعارضت مفسدتان وكانت إحداهما يعود ضررها على شخص واحد أو أشخاص قليلين بينما المفسدة الأخرى يسري ضررها على جماعة من الناس أو المجتمع أو الأمة فيرجح درء المفسدة التي يتضرر منها عدد أكبر على المفسدة التي يتضرر منها عدد أقل، بحيث تدرأ المفسدة ذات الضرر العام بارتكاب المفسدة ذات الضرر الخاص وهذا تطبيق للقاعدة الفقهية القائلة: (يتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام) (1) ورغم أن هذه القاعدة تتصادم في ظاهرها مع قاعدة (الضرر لا يزال بالضرر) (2) إلا أنها في الحقيقة تكملها وهو أن الضرر لا يزال بالضرر إلا إذا كان أحد الضررين عامًا والآخر خاصًا فيزال الضرر العام بالضرر الخاص ويتحمل الضرر الخاص لأجل دفع الضرر العام (3) ·
وهذه القاعدة تجري في كل مسألة تتراوح بين ضررين خاص وعام فيتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام، وبناء على هذه القاعدة فقد أفتى بعض العلماء بجواز الرمي