الصفحة 36 من 69

شرحه في المعيار الثاني، ولهذا لو حدث تعارض بين مفسدتين إحداهما أعلى رتبة وأدنى نوعًا والأخرى أدنى رتبة وأعلى نوعًا فإنه ترجح المفسدة المتعلقة بالأعلى رتبة وإن كان نوعها أدنى، فمثلًا لو تعارضت مفسدة ضرورية متعلقة بالنفس مع مفسدة حاجية متعلقة بالدين فإنه يقدم درء المفسدة الضرورية المتعلقة بالنفس على المفسدة الحاجية المتعلقة بالدين ويوضح هذا ما أجازه القرآن الكريم من التلفظ بكلمة الكفر لمن هدد بهلاك نفسه حيث إنه في هذه الحالة سترتكب مفسدة حاجية متعلقة بالدين لدرء مفسدة ضرورية متعلقة بالنفس ·

وهذا يعني أنه يجب النظر أولًا إلى رتبة كلتا المفسدتين المتعارضتين فإن تفاوتا رجحنا أعلاهما رتبة وقدمناها في الدرء بغض النظر عن الكلي الذي تتعلق به كل واحدة منهما، وإن اتحدت المفسدتان في الرتبة ولكنهما اختلفتا في نوع الكلي الذي تتعلق به كل واحدة منهما فيرجح أعلاهما نوعًا·

ولتوضيح معيار الترجيح بنوع المفسدة سنعرض لمثال نوضح فيه كيف قدم درء أعلى المفسدتين نوعًا مع اتفاقهما في الرتبة وذلك في محنة الإمام أحمد بن حنبل، حيث يتجلى في هذه المحنة الفهم الدقيق لفقه الموازنات لدى الإمام أحمد كما يتجلى فيها جلد الإمام أحمد وصبره في سبيل الله وذلك أنه تعارضت في هذه المحنة مفسدتان المفسدة الأولى تتعلق بالدين بما قد يؤدي إلى الانحراف بأسس العقيدة وسلامة التصور الإسلامي لدى الأمة الإسلامية فيما لو وافق الإمام أحمد الطغاة على ما يريدونه من تحريف للدين وهذه من مفاسد الضروريات المتعلقة بالدين، أما المفسدة الثانية فهي البلاء الشديد الذي نزل على الإمام بضربه حتى كاد أن يموت لإكراهه على أن يقول ما يؤدي إلى تحريف العقيدة الإسلامية وهذه من مفاسد الضروريات المتعلقة بالنفس، ولقد رأى الإمام أحمد ببصيرة العالم الفقيه ونورانية العالم الرباني أن تحمله للمفسدة الضرورية المتمثلة فيما يهدد نفسه بالهلاك أقل خطرًا مما سيلحق بدين الله من تحريف؛ لذلك فقد تحمل المفسدة المتعلقة بالنفس ليدرأ بذلك المفسدة المتعلقة بالدين، ففي عهد المأمون والمعتصم والواثق امتحن الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله بالفتنة المشهورة وهي القول بخلق القرآن الذي دعى إليه المعتزلة، ولكن الإمام أحمد أنكر هذا القول ودحضه فتعرض للسجن عامين ونصف، كما تعرض للتعذيب والتنكيل حتى كان يغمى عليه ولكنه ثبت على الحق رغم العذاب الشديد، بل كان كلما يفيق من إغمائه يقول بقوة:"هو كلام الله تعالى، غير"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت