الصفحة 35 من 69

تتضمنها كل مفسدة ·

المبحث الخامس

المعيار الثالث: درء أعلى المفسدتين نوعًا

في المعيار السابق بينا أن المفاسد تتفاوت في رتبها بحسب خطورتها فأشدها خطرًا المفاسد المتعلقة بالضروريات فكانت في المرتبة الأولى، ثم يليها المفاسد المتعلقة بالحاجيات فكانت في المرتبة الثانية، ثم يأتي بعد ذلك المفاسد المتعلقة بالتحسينيات فكانت في المرتبة الثالثة، وبينا أن أهمية هذا التفاوت تبرز عند تعارض المفاسد حيث يقدم درء أعلاها رتبة على أدناها فيقدم درء المفاسد المتعلقة بالضروريات على المفاسد المتعلقة بالحاجيات والتحسينيات، ويقدم درء المفاسد المتعلقة بالحاجيات على المفاسد المتعلقة بالتحسينيات، وقد فصلنا القول في هذا مع ذكر أمثلة، ولكن المشكلة تحدث فيما لو تساوت المفسدتان في الرتبة بأن كانت المفسدتان المتعارضتان من رتبة واحدة كأن يكونا معًا من رتبة الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات، ففي هذه الحالة لا يمكن الترجيح بينها بحسب تفاوتها في الرتب، وإنما يجب الانتقال إلى الترجيح بينها بمعيار نوع المفسدة حيث يرجح درء أعلى المفسدتين نوعًا على ما دونه، فالمفاسد تتفاوت في أنواعها بحسب الكلي الذي تتعلق به، فأشدها خطرًا المفاسد المتعلقة بالدين ثم المفاسد المتعلقة بالنفس ثم المفاسد المتعلقة بالعقل ثم المفاسد المتعلقة بالنسل ثم المفاسد المتعلقة بالمال (1) · وعلى هذا فلو تعارضت مفسدتان إحداهما متعلقة بالدين والأخرى بالنفس -وكان لا بد من ارتكاب إحداهما لدرء الأخرى- فإنه ترتكب المفسدة المتعلقة بالنفس لدرء المفسدة المتعلقة بالدين، وكذلك لو تعارضت مفسدتان إحداهما متعلقة بالنفس والأخرى بالعقل أو المال -وكان لا بد من ارتكاب إحداهما لدرء الأخرى- فإنه ترتكب المفسدة المتعلقة بالعقل لدرء المفسدة المتعلقة بالنفس أو المال وكذلك لو تعارضت مفسدتان إحداهما متعلقة بالعقل والأخرى بالنسل (1) أو المال فيقدم درء مفسدة العقل على مفسدة النسل أو المال، ولو تعارضت مفسدتان إحداهما تتعلق بالنسل والأخرى بالمال، فيقدم درء المفسدة المتعلقة بالنسل على المفسدة المتعلقة بالمال ·

ولكن هذا التفاوت بين أنواع المفاسد والترجيح لأعلاها نوعًا على أدناها مشروط بأن تكون المفسدتان متحدتين في الرتبة، أما إذا اختلفتا في الرتبة فإنه لا ينظر إلى الترجيح بينهما بمعيار النوع، وإنما يكون الترجيح بينهما بمعيار الرتبة للمفسدة وهو ما سبق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت