شيء من ذلك في مجلسه فضرب الوليد جاسوسه الذي جاءه بالخبر سبعين سوطًا، فكان المضروب يلقى رجاء فيقول يا رجاء بك يستقى المطر وسبعون سوطًا في ظهري فيقول رجاء: سبعون سوطًا في ظهرك خير لك من أن يقتل مسلم" (1) ·"
ومن الأمثلة على الترجيح برتبة المفسدة مسألة من أراد أخذ قرض ربوي ليدفع به عناء ركوب المواصلات العامة بشراء سيارة خاصة به: ففي هذه المسألة تعارضت مفسدتان مفسدة الربا ومفسدة عناء المواصلات العامة والمفسدتان متفاوتتان من حيث الرتبة، فالقرض الربوي من مفاسد الحاجيات (وقد يكون من المفاسد الضرورية) وعناء المواصلات من مفاسد التحسينيات، فلا يجوز ارتكاب مفسدة القرض الربوي لدرء مشقة المواصلات العامة، وإنما يتحمل المفسدة الصغرى وهي عناء المواصلات العامة لدرء مفسدة كبرى وهي القرض الربوي، وما يقال في حق الأفراد يقال في حق الدولة فليس للدولة أن تأخذ قروضًا ربوية لتقيم بها خدمات اجتماعية، لأن مخاطر القروض الربوية أخطر بكثير من متاعب الخدمات الاجتماعية الرديئة، وعليها أن تسعى إلى تحسين الخدمات الاجتماعية بقدر وسعها دون اللجوء إلى القروض الربوية ·
ومن الأمثلة على الترجيح بين مفسدتين إحداهما ضرورية أو حاجية والأخرى تحسينية مسألة كشف المريض عورته للطبيب لكي يعالجه من المرض، ففي هذه الحالة يجوز ارتكاب المفسدة التحسينية وهي كشف العورة؛ لدرء المفسدة الضرورية وهي درء المرض إن كان المرض مهلكًا وقد تكون المفسدة حاجية إن كان المرض مؤلمًا غير مهلك (1) ·
ومن الأمثلة للترجيح بين المفاسد بحسب رتبتها -لكي يدرأ أشدها ثم الذي يليه- ما روي أن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال له ابنه عبد الملك -وكان شابًا تقيًا متحمسًا-"يا أبت مالك لا تنفذ الأمور؟ فوالله ما أبالي لو أن القدور غلت بي وبك في الحق!"فأجاب عمر:"يا بني لا تعجل، فإن الله ذم الخمر في القرآن مرتين، وحرمها في الثالثة، وإني أخاف أن أحمل الحق على الناس جملة فيدعوه جملة ويكون من ذا فتنة" (2) فالشاب الغيور أراد من أبيه أن يقضي على الفساد والمظالم والانحراف دفعة واحدة دون تريث ولا أناة، وليكن بعد ذلك ما يكون! ولكن الخليفة الراشد رأى أن علاج الأمور يجب أن يتم بحكمة وتدرج، مهتديًا بسنة الله تعالى في تحريم الخمر، فهو يجرعهم الحق جرعة جرعة (3) ويدفع عنهم المفاسد واحدة واحدة بحسب المخاطر التي