المفاسد المتعلقة بالحاجيات، ولكن هذا النوع من المفاسد يجعل حياة الناس خالية عن مكارم الأخلاق ومزينات الحياة، فتصير بذلك الحياة خلاف ما تقتضيه المروءة والفطرة السليمة (1) ·
ومثال هذا النوع من المفاسد الإسراف في الطعام والشراب وخطبة المسلم على خطبة أخيه، وبيع المسلم على بيع أخيه والتمثيل في القصاص أو في الحرب، وعدم الطهارة من الحدث، وعدم تبادل التحية بين الناس، فهذه كلها من مفاسد التحسينيات وقد يكون بعضها -من حيث الحكم الشرعي- حرامًا وبعضها مكروه · إلا أنها جميعًا لا تؤدي إلى فساد حياة الناس، أو وقوعهم في حرج ومشقة وإنما تكون حياة الناس بعيدة عن القيم الكريمة التي تجعل حياة الناس حسنة ·
وعلى هذا فإن المفاسد تتفاوت من حيث رتبتها فأشدها خطرًا المفاسد المتعلقة بأمر ضروري، ثم يليها المفاسد المتعلقة بأمر حاجي، ثم يليها المفاسد المتعلقة بأمر تحسيني، فالمفسدة المتعلقة بأمر ضروري أكبر من المفسدة المتعلقة بحاجي أو تحسيني، والمتعلقة بأمر حاجي أكبر من المفسدة المتعلقة بأمر تحسيني ·
وإذا كان من الواجب شرعًا تجنب المفاسد جميعها بكل مستوياتها ومراتبها إلا أن تفاوت المفاسد له أهمية كبرى تبرز عند تعارض هذه المفاسد، وذلك أنه إذا حدث تعارض بين مفسدتين من رتبتين مختلفتين وتعذر درؤهما معًا وكان لا بد لدرء إحداهما من ارتكاب الأخرى فيجب في هذه الحالة أن يقدم درء المفسدة التي تتعلق برتبة أعلى على ما دونها، وعلى هذا فإنه إذا تعارضت مفسدتان وكانت إحداهما من رتبة الضروريات والأخرى من رتبة الحاجيات أو التحسينيات فتدرأ المفسدة التي من رتبة الضروريات بارتكاب المفسدة التي من رتبة الحاجيات أو التحسينيات، وكذلك لو تعارضت مفسدتان أحدهما من رتبة الحاجيات والأخرى من التحسينيات، فتدرأ مفسدة الحاجيات بارتكاب مفسدة التحسينيات، وفي هذه الحالة يكون قد ارتكبت أدنى المفسدتين لدرء أعظمهما أو أكبرهما ·
ومن الأمثلة على الترجيح بين مفسدتين إحداهما ضرورية والأخرى حاجية قصة وقعت لواحد من السلف الصالح وهو رجاء بن حيوه فقد:"استحلف الوليد بن عبد الملك رجاء بن حيوه وهو فقيه تابعي ليخبره عمن تكلم عليه بالسوء في مجلسه، وقد حصل هذا فعلًا ووصل خبره بذلك إلى الوليد من عيونه، فحلف رجاء بن حيوه أنه لم يحدث"