الصفحة 31 من 69

معًا (1) وما من حكم شرعي إلا وهو مبني على جلب مصلحة أو درء مفسدة، وإن الأحكام الشرعية تتفاوت فيما بينها بقدر تفاوتها فيما تحققه من مصلحة أو تدرؤه من مفسدة ولهذا فإن الحكم الشرعي الأعلى رتبة يتضمن تحقيق مصلحة أو درء مفسدة أكبر مما يتضمنه الحكم الشرعي الذي هو دون الأول رتبة ·

وقد سبق أن تحدثنا عن التفاوت بين الواجب والمندوب في معرض حديثنا عن الترجيح بين المصالح باعتبار أن الواجب والمندوب يأتيان في سياق الحديث عن تحقيق المصالح، ولكننا في هذا المبحث سنتحدث عن التفاوت بين حكمي المحرم والمكروه بوصفهما يتضمنان درء مفاسد، والتفاوت بين الحكمين قائم على ما بينهما من تفاوت فيما يتضمنه كل واحد منهما من درء مفسدة، فالمحرم يتضمن درء مفسدة أشد وأعظم من المفسدة التي يتضمن درؤها المكروه؛ وبالتالي فإن المحرم أعلى درجة من المكروه، وبهذا فإن أعلى مراتب النهي هو التحريم ثم الكراهة، وعليه فإنه إذا تعارضت مفسدتان وكانت إحداهما داخلة في دائرة التحريم والأخرى داخلة في دائرة المكروه وكان لا بد من ارتكاب إحداهما لدرء الأخرى فترتكب المفسدة المكروهة لكي يدرأ بذلك المفسدة المحرمة، وذلك دفعًا لأعظم المفسدتين بارتكاب أدناهما ودفع أعظم الشرين بارتكاب أدناهما (2) ·

ورحم الله الإمام ابن القيم حيث يضع لنا في هذا قاعدة ويضرب لها مثالًا وهي أنه إذا كان شخص يلتهي بمنكر في درجة أقل كالمكروه مثلًا فلا يجوز الإنكار عليه إلا إذا كان سيبتعد عن ذلك المنكر، أما إذا كان ابتعاده عن ذلك المنكر الصغير سيجعله يندفع إلى منكر أكبر فلا يجوز الإنكار عليه لأن ممارسته لما هو مكروه قد يجعله يلتهي به عما هو أكبر حرمة ولذلك يقول ابن القيم رحمه الله:"إن النبي صلى الله عليه وسلم شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله، فإذا كان المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله ·· فإذا رأيت أهل الفجور والفسوق يلعبون بالشطرنج كان إنكارك عليهم من عدم الفقه والبصيرة إلا إذا نقلتهم إلى ما هو أحب إلى الله ورسوله كرمي النشاب وسباق الخيل ونحو ذلك، وإذا رأيت الفساق قد اجتمعوا على لهو ولعب أو سماع مكاء وتصدية فإن نقلتهم عنه إلى طاعة الله فهو المراد، وإلا كان تركهم على ذلك خيرًا من أن تفرغهم لما هو أعظم من ذلك فكان ما هم فيه شاغلًا عن ذلك، وكما إذا كان الرجل مشتغلًا"

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت