الصفحة 29 من 69

ولتحديد أي المفسدتين أولى بالفعل وأيها أولى بالترك لا بد له من الموازنة بينها لكي يدرأ المفسدة الكبرى بفعل المفسدة الصغرى ·

والضرورة الدافعة إلى الموازنة بين المفاسد هي حالة تهدد نفس الإنسان أو أحد أطرافه بالهلاك وتجعله مجبرًا على القيام بفعل الممنوع باستباحة المحرم (المفسدة) فالضرورات تبيح المحظورات، وقد يكون المحظور ارتكاب شيء فاسد وقد يكون ترك شيء واجب، والضرورات غالبًا ما تكون في مواطن الحرج الشديد الذي يدفع صاحبه إلى ارتكاب مفاسد من رتبة الضروريات، فمحل حدوث الضرورات هي الضروريات، أما المفاسد من رتبة الحاجيات فغالبًا ما يدفع إلى ارتكابها الحاجة الماسة الشديدة والحاجة هنا في منزلة الضرورة من حيث إباحة فعل المفسدة التي في رتبة الحاجيات، وسواء كانت الحاجة عامة أو خاصة فإنها تنزل منزلة الضرورة (1) (2) ·

ومن الأمثلة التي أجيز فيها المحظور للحاجة النظر إلى العورات للمداواة، ويباح النظر للوجه من أجل المعاملة والإشهاد والخطبة والتعليم ونحوها لحاجة الناس إلى التعرف على مواطن الداء وتشخيص المرض، ووصف العلاج المناسب، أو للتعرف على المرأة المتعامل معها أو المشهود لها أو عليها أو المتعلمة أو المخطوبة ولكن بقدر الحاجة في ذلك (3) ·

الشرط الثاني: للموازنة بين المفاسد أن لا يوجد أمر مباح تسد به الحاجة أو الضرورة؛ بمعنى أن لا يجد المضطر أي وسيلة لدفع الضرورة إلا ارتكاب الجريمة أما إذا أمكن للمضطر دفع الضرورة بفعل مباح امتنع دفعها بفعل محرم، فمثلًا الجائع الذي يستطيع دفع مفسدة الجوع بشراء طعام أو أخذه على سبيل الهبة أو الصدقة ليس له أن يحتج بحالة الضرورة لكي يأخذ طعام الآخرين ليأكله فهذا لا يجوز لقوله تعالى: فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن الله غفور رحيم (1) · فالآية تدل على أنه يجوز للمضطر أن ينال من المحرم (المفسدة) بالقدر الذي يدفع عنه حالة الضرورة، ولكن ذلك مشروط بأن لا يكون المضطر باغيًا في أكله أو استعماله فوق حاجته وأن لا يكون عاديًا بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة ويأكلها أو يستعملها فوق حاجته (2) وعلى هذا فإن من شروط الاضطرار أن لا يجد المضطر غير تلك المفسدة ما هو أقل منها فسادًا ليرتكبه حتى يدرأ المفسدة الكبرى، وأن لا يكون هناك مباح يمكن به درء المفسدة لأن وجود المباح ينفي حالة الاضطرار إلى ارتكاب إحدى المفسدتين (3) ·

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت