إلى رعاية الشرع له وإلا سيطر عليه الهوى: ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله (2) · وإذا كانت المفسدة عمومًا هي مخالفتها لمقاصد الشارع فيما أمر به ونهى فإنها مع ذلك يمكن تقسيمها -قياسًا على تقسيم المصلحة (3) - إلى: مفاسد معتبرة وهي ما أشار إليها الشارع (كحرمة الخمر والزنا) · ومفاسد ملغية وهي ما قد يتوهمه بعض الناس مفاسد ولكن الشارع نبه إلى أنها مصالح (كإخراج جزء من المال زكاة) · ومفاسد مرسلة وهي ما لم يرد فيها نص بالاعتبار ولا بالإلغاء وإنما هي غير ملائمة لمراد الشارع وتتضمن ضررًا هو في حد ذاته مفسدة، ونحكم عليها بالفساد من خلال قياسها على المفاسد والمنصوص عليها إن وجد لها أصل تقاس عليه، أو نحكم عليها بالفساد من خلال مخالفتها للمقاصد الشرعية ·
المبحث الثاني
شروط إباحة الموازنة بين المفاسد
إذا اجتمعت المفاسد -المجردة عن المصالح- في أمر فيجب درؤها إلا أن المسلم أحيانًا قد يتعذر عليه درؤها جميعًا، وقد يكون مضطرًا إلى ارتكاب بعض المفاسد لكي يتجنب بذلك البعض الآخر، وفي هذه الحالة لا بد له من الموازنة بين تلك المفاسد ليحدد بذلك أي المفسدتين ترتكب لكي تدرأ الأخرى ·
وعلى هذا فإن الموازنة بين المفسدتين لا يكون إلا عند تعذر درء المفسدتين معًا وارتبط درء أحداهما بارتكاب الأخرى، فيجب في هذه الحالة تفادي أكبر المفسدتين ضررًا بارتكاب أدناهما يقول العز بن عبد السلام:"إذا اجتمعت المفاسد المحضة، فإن أمكن درؤها درأنا وإن تعذر درء الجميع درأنا الأفسد فالأفسد والأرذل فالأرذل" (1) ·
وبما أن الأصل وجوب درء المفاسد جميعها لذلك لا تباح الموازنة بين المفاسد إلا بشروط، وهي أن يكون الشخص مضطرًا إلى ارتكاب إحدى المفسدتين، وأن لا يكون ملزمًا بتحمل مفسدة بعينها وأن لا يجد مباحًا يدرأ به حالة الضرورة وأن لا تؤدي الموازنة إلى الإضرار بالغير، وأن تكون الموازنة وفق المعايير الشرعية وسنفصل هذه الشروط على النحو الآتي:
الشرط الأول: أن يكون الدافع إلى الموازنة بين المفاسد هي الضرورة أو الحاجة الماسة، وذلك أن الأصل في المفاسد درؤها جميعًا وتجنبها كاملة ولكن الإنسان قد يقع في ضرورة أو حاجة شديدة تلجئه إلى فعل مفسدة لكي يتجنب بها مفسدة أخرى،