الصفحة 27 من 69

معناها الحقيقي فقط · فأما الاتجاه الأول فهو ما ذهب إليه العضد وابن عبدالسلام، يقول العضد معرفًا للمفسدة:"المفسدة الألم ووسيلته" (1) ويقول العز بن عبد السلام:"··· المفاسد ضربان: أحدهما حقيقي وهو الغموم والآلام، والثاني مجازي وهو أسبابها، وربما كانت أسباب المفاسد مصالح، فنهى الشرع عنها لا لكونها مصالح بل لأدائها إلى المفاسد، وذلك كالسعي في تحصيل اللذات المحرمات والشبهات المكروهات ··· وتسميتها مفاسد من مجاز تسمية السبب باسم المسبب" (2) فهذان التعريفان يقصدان بالمفسدة معنييها: الحقيقي ويتمثل في المفاسد المقصودة لذاتها، والمجازي ويتمثل في الوسائل المفضية إلى المفاسد ·

أما الاتجاه الثاني فيركز تعريفه للمفسدة على معناها الحقيقي فقط فيقول الغزالي:"المصلحة: المحافظة على مقصود الشرع، ومقصود الشرع من الخلق خمسة وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم، ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة" (3) وبهذا فالمفسدة ما كانت منافية لمقاصد الشارع أي ما كان فيها إضرار بالدين أو النفس أو العقل أو النسل أو المال، وإلى جانب هذين الاتجاهين في تعريف المفسدة نجد اتجاهًا ثالثًا ركز على معنى المفسدة من حيث الحكم الشرعي للأفعال التي توصف بالمفسدة، حيث يكون الفعل الموصوف بالمفسدة أو الفساد هو ما كان مخالفًا لخطاب الشارع ويوجب فعله الإثم (4) ولعل تعريف الاتجاه الثالث يحاول أن يضع المعيار للحكم على الشيء بكونه مفسدة وهو حالة ما إذا كان الشيء أو الفعل مخالفًا لما أمر به الشارع، أو كان الشيء أو الفعل منهيًا عنه، وهذا يعني أن مقياس اعتبار الشيء مفسدة هو تقدير الشارع الحكيم جل وعلا، لما في هذا التقدير من خلود وثبات وضمان أكيد لمصالح البشر أفرادًا وجماعات، ولما في ذلك من تهيئة الإنسان في الحياة الدنيا للحياة الآخرة، ولأنه لو ارتبط تقدير المفسدة بالرؤية البشرية المجردة عن شرع الله فإن هذا التقدير عرضة للتلاعب والعبث والإخلال بالمصلحة العامة، وسيكون تحديد المفسدة خاضعًا لأهواء الناس وشهواتهم وهذا يؤدي إلى الفساد: ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض (1) · لأن الأهواء تختلف فما يراه شخص بهواه مفسدة قد لا يراه شخص آخر كذلك · وما يكون في نظر بعض الناس في زمن ما فسادًا قد لا يكون كذلك في زمن آخر، ولأن العقل البشري عندما يحكم على شيء بالفساد فإنه يكون متأثرًا ببيئته وزمانه ومكانه وبواعثه وعواطفه وهواه، مما يجعل حكمه قاصرًا فالعقل محتاج

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت