وأما من نظر إلى كتابه"النكتب على ابن الصلاح"-ويا ليته قد اكتمل- وجد فيه علمًا عظيمًا، وبحرًا زاخرًا بالعلوم الدقيقة، وأدرك أن الحافظ ابن حجر رحمه الله جهبذ ناقد، فإن الرجل قد يكون جامعًا ناقلًا، ولا يكون محققًا ناقدًا، أما الحافظ فقد جمع الأمرين، ولذلك ألف كتبًا عظيمة، سد بها ثغرات في المكتبة الإسلامية عمومًا، وفي المكتبة الحديثية على وجه الخصوص، فرحمه الله وغفر لنا وله.
وهكذا لا زال الناس يكتبون ي هذا الفن إلى هذا الزمان، ومن جملة من كتب في ذلك: البيقوني رحمه الله، واسمه: طه بن محمد، ويقال: عمر بن محمد بن فُتُوح الدمشقي الشافعي البيقوني، وقد كان حَيًّا قبل سنة 1080هـ ولم يُحرَّر بدقة وقت وفاته، وهو مترجم في الإعلام للزرَكلي وفي"معجم المؤلفين"لكحالة.
وتقع منظومته في أربعة وثلاثين بيتًا.
وقد اعتنى بها الشراح كثيرًا، حتى ذكر أخونا الشيخ علي بن حسن الحلبي حفظه الله أنها قد شُرحت في خمسة عشر كتابًا، وهذا لعذوبة لفظها، وسهولة نظمها، وصغر حجمها، مع أن البيقوني رحمه الله لم يستوعب، بل لم يتكلم إلا على علوم قليلة في هذا الفن، تبلغ اثنين وثلاثين نوعًا مع أن أنواع علوم الحديث التي قد جاوز بها بعضهم الثمانين نوعًا.
وبشرحي هذا أرجو تقريب مادة هذا العلم لطلابه، وفتح ما تيسر مما أغلق من مسائله وأبوابه، راجيًا من الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، مباعدًا به بيني وبين موجبات سخطه، وعذابه، وشر عباده، وأسأله عزوجل بأسمائه الحسنى وصفاته العلى: أن يكتب له القبول في الأرض، وأن يجعله سترًا لي ولوالدي وأهلي وذريتي، وأن ينفعني به في الدنيا والآخرة.
وقبل البدء في شرح المنظومة؛ فهناك عدة أمور أنبِّه عليها -إن شاء الله تعالى-: