ثم جاء الحاكم أبو عبد الله النيسابوري، فألف في ذلك كتابًا سماه"معرفة علوم الحديث"لكنه لم يهذَّب ولم يرتب، وله أيضًا كتاب آخر، أسماه"المدخل إلى الإكليل"وكان الداعي إلى تأليفه أن أمير الجيوش قد طلب منه أن يؤلف كتابًا في أحوال النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشمائله، وأزواجه، وأيامه، فألف"الإكليل"ثم رأى أن هذا الكتاب لا يستفاد منه إلا بمعرفة الصحيح من الضعيف، فألف كتابه"المدخل"وهو عبارة عن مقدمة لكتاب"الإكليل"، وقد ذكر فيه أنواع الصحيح وشروطه...إلى غير ذلك.
ثم تلاه أبو نعيم الأصبهاني فعمل مستخرجًا على كتاب"المعرفة"للحاكم، ولكنه أبقى أشياء للمتعقب، إلا أن هذه الكتب السابق ذكرها، لم تأتِ بالشيء على ما يريده طالب العلم، فجاء بعدهم أبو بكر الخطيب أحمد بن علي بن ثابت رحمه الله فصنف كتابين عظيمين: أحدهما في قوانين الرواية، وسماه"الكفاية في علوم الرواية"والثاني: في آدابها وسماه"الجامع لآداب الراوي وأخلاق السامع"ففجر فنون هذا العلم وأبوابه، وألف في كل باب من الأبواب، فقلَّ أن تجد بابًا إلا وقد صنف فيه كتابًا مفردًا، فكان كما قال الحافظ ابن نقطة رحمه الله:"كل من أنصف علم أن المحدثين بعد الخطيب عيال على كتبه" [1] .
(1) كذا نقله الحافظ عنه والذي في كتابه"التقييد لمعرفة رواة السنن والمسانيد"ص154"وله -أي الخطيب- مصنفات في علوم الحديث لم يسبق إلى مثلها، ولا شبهة عند كل لبيب أن المتأخرين من أصحاب الحديث عيال على أبي بكر الخطيب"وكذا في تكملة الإكمال له (1/103) وانظر النكت على نزهة النظر ص48.