فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 32

أما إن كان متعمدًا لهذه الإساءة والخطأ، فهذا قد يكون على سبيل المقابلة والمقاصة لجناية جنيتها عليه، فهذا قد أباحه الله -عز وجل- له وعاقب بمثل ما عوقب به، فلا ينبغي أن يقع في قلبك عليه شيء، أو أن توصل إليه مساءه، وقد يكون ذلك بسبب عداوة بينك وبينه وشحناء، فمثل هذا تحسن إليه: {ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ* وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [ (34-35) سورة فصلت] ، وإن لم تستطع فالبعد لتحصيل السلامة والكف عن مقابلته بإساءاته فذلك أطفاء للشر وللنار.

وليس بصحيح ما يظنه البعض من أن النار بالنار تطفأ، أبدًا، وإنما تزداد اضطرامًا، كفاك نصرًا أن ترى عدوك يعصي الله -عز وجل- فيك، فالأمر كما قيل:

وأقسم لا أجزيك بالشر مثله ... كفى بالذي جازيتني لك جازيًا

وقد تكون هذه الإساءات بسبب لؤم في الطبع، فهذا الإنسان يعادي المرواءت، وأهل المرواءت، وأهل الكمالات، فكلما رأى الكمل عاداهم وانتقصهم.

تقول إحدى النساء رأيت فتاة من الصالحات لأول مرة، فلما وقعت عيني عليها وقعت عداوتها في قلبي، تقول: لم يبدر منها شيء، وإنما رأيتها لماحة ذكية تتوقد نشاطًا وحيوية، وتستلب من رآها تجلبهم وتستهويهم؛ بحسن تصرفها ولباقتها وأخلاقها العالية تقول: عاديتها مباشرة، فلما عاشرتها ازدادت هذه العداوة اضطرامًا في نفسي ولم يبدر منها إلا كل إحسان.

فالمشكلة أن من الناس من يعادي لما يرى من الفضل والخير والمعروف، يعادي أهل الفضائل والمروءات، فهذا لا حيلة فيه، أغراه لؤم الطبع على سوء الاعتقاد في الناس، وبعثه خبث الأصل على إيثار الفساد، فهو لا يستقبح الشر، ولا يكف عن المكروه، فهذا مشكلته مشكلة، فهو كالسبع الضاري في سوارح الغنم، وكالنار المتأججة بلابس الحطب، لا يقربها إلا تالف ولا يدنو منها إلا هالك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت