ثم أيضًا ينبغي أن نترك كل ما نستحيي أن نظهره على الناس في العلانية مما لا يليق من الأمور المشينة؛ لأن عمل القبيح في السر يدل على أن تجنبه في العلانية تصنع ورياء، والمروءة هي أن نجتنب القبائح؛ لأنها قبيحة، لا لأن ذلك من مصانعة الناس، كما أننا لا نأت ما نحتاج أن نعتذر منه من الأقوال والأفعال، بل علينا أن نتكلم بالكلام الطيب ونفعل الأفعال الحسنة، لا نقف مواقف الريب، ثم نحتاج أن نوضح قصدنا وموقفنا.
وعلينا أيضًا أن نترك النفاق والتملق، فلا يكون الإنسان صاحب وجهين، يلقى هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه، وإنما يكون صاحب صراحة ووضوح، لا يبدي الصداقة لإنسان وهو يضمر العداوة له:
سري كإعلاني وتلك خليقتي ... وظلمة ليلي مثل ضوء نهاري
لا يظهر التبرم والشكوى من الأمراض أو الحوادث التي تقع له:
لا يفرحون إذا ما الدهر طاوعهم ... يومًا بيسر ولا يشكون إن نكبوا
وقد مدح بعض السلف بقوله:
فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلتِ
يعني إذا ابتلي بمصيبة، صاحب المروءة فإنه يترك أذية الناس لا سيما أهل المروءات.
وأستحي المروءة أن تراني ... قتلت منافسي جلدًا وقهرًا
فذو المروءة لا يؤذي من فوقه ولا يؤذي زملائه.
من الناس من إذا وضع رئيسًا على جماعة وكان قبل ذلك كالحمامة، فإنك تجده إذا حصلت له الرئاسة صار سبعًا، يؤذيهم بكل ما يستطيع، إذ تجده قد تغيرت أخلاقه، مع أن هذه من الأمور التي ينبغي أن يتجافى عنها، كما ينبغي أن يتجافى عن إفشاء أسرار الناس التي يأتمنونه عليها، ويحفظ الأمانة.
هذا المتنبي ائتمنه رجل على سر، ثم خاف ذلك الرجل أن يذاع هذا السر، فطمأنه المتنبي بقوله:
كفتك المروءة ما تتقي ... وأمنك الودّ ما تحذرُ
يريد بذلك الإشارة إلى أن المروءة تمنعه من إفشاء هذا السر، وقد قيل: الكتمان من رأس المروءة.