وتكون المروءة أيضًا فيما نتركه بالتنزه عن المطامع الدنية، نتنزه عن الطمع؛ لأنه ذل، ونتنزه عن الدناءة لأنها لؤم، وهما أعدى شيء للمروءة، وإنما يوقعنا في ذلك الشره وقلة الأنفة، بأن لا يقنع الإنسان بما أوتي لكثرة شرهه ولا يستنكف مما منع ولو كان حقيرًا لقلة أنفته، وهذه حال من لا يرضى لنفسه قدرًا ولا مروءة ولا مرتبة ومنزلة، فهو يرى أن المال هو أعظم مطلوب، فما عداه فهو دونه، فيبذل أهون الأمرين وأدون الأمرين وهو معالي الأمور ومكارم الأخلاق من أجل تحصيل مطامعه، فهذا لا ينفع معه تأنيب ولا تأديب، وليس فيه قبول للتأديب:
من كانت الدنيا مناه وهمه ... سبته المنى واستعبدته المطامعُ
وإنما يكون فطام النفس عن هذا بالقناعة، يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (( إن روح القدس نفث في روعي أن نفسا لن تموت حتى تستكمل أجلها وتستوعب رزقها فأجملوا في الطلب ) ) [1] .
فينبغي أن نصون أنفسنا بالتماس الكفاية، وذلك بأن يحصل الإنسان على حاجته من هذه الدنيا مما لا بد له من تحصيلا ليقيم أوده، ويكفي نفسه الحاجة، ولكن يطلب هذه الدنيا مراعيًا الحلال؛ لأن الحرام شين، يشينه عند الله -عز وجل- وعند الناس، والمكاسب المستخبثة ممحوقة إن صرفها في بر لم يؤجر وإن صرفها في مدح لم يشكر، ثم هو بأوزارها محتقر، نسأل الله العافية.
(1) رواه أبو نعيم في الحلية بهذا اللفظ (ج 10/ ص 27) وأصله في سنن ابن ماجه في كتاب التجارات - باب الاقتصاد في طلب المعيشة (2144) (ج 2/ ص 725) ، ولفظه: (( أيها الناس اتقوا الله وأجملوا في الطلب، فإن نفسا لن تموت حتى تستوفي رزقها ) )وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2742) و (2085) .