فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 32

وعلينا أيضًا أن نطلبها من أحسن الجهات، بحيث لا يلحقنا غط ولا دنس ولا مهانة في طلبها، فلا نطلبها من المكاسب الحقيرة كالكسب من الحجامة مثلًا، وألا نطلبها بصلافة الأخلاق، ولا نعاسر الناس في تعاملنا حتى نستخرج هذه المكاسب من بين أيديهم، فهذا أمر يحط من مرتبة العبد.

ثم إننا بحاجة إلى حسن تصريف وتدبير لأمور المعيشة؛ لأنه إن تصرف الإنسان في أمور معيشته يدل على عقله ورزانته ومروءته، ثم نحن بحاجة إلى صيانة عن تحمل المنن؛ لأننا بالحاجة للناس تسترقنا المنة استرقاق الأحرار، فهي تحدث ذلة وتستوجب سطوة المان، والاسترسال في الاستعانة والحاجة لا شك أنه إثقال على الناس، ومن ثقل عليهم هان، والناس لا قدر عندهم لمهان.

روي أن رجلًا قال رجل لعمر -رضي الله عنه-: خدمك بنوك، فقال:"أغناني الله عنهم؛ أخدم نفسي، وأقوم بنفسي".

وقال علي -رضي الله عنه- لابنه الحسن في وصيته:"يا بني إذا استطعت ألا يكون بينك وبين الله ذو نعمة فافعل، ولا تكن عبد غيرك، وقد جعلك الله حرًا".

وقد ذكر هذا شيخ الإسلام في كتاب العبودية:"استغن عمن شئت تكن نظيره، وأحسن لمن شئت تكن أميره، واحتج إلى من شئت تكن أسيره"؛ لأنه يأسرك بهذا الإحسان والإفضال.

فلا حاجة أن تضع القيد والإسار في يدك والغل في عنقك، وتكون عبدًا لغيرك، استغن عن الناس، ولهذا بايع النبي -صلى الله عليه وسلم- بعض أصحابه ألا يسألوا الناس شيئًا، فكان السوط يسقط من أحدهم وهو على الدآبة، ولا يقول لصاحبه: ناولني، أما الذي ديدنه: أعطني، أقرضني، تصدق علي، احمل لي حاجتي، أوصلني معك وما أشبه ذلك، فهذا مستقل عند الناس، وهذا لا ينبل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت