( فصمت النبي صلى الله عليه وسلم حتى ظننا أنه ينزل عليه ، ثم جعل يمسح عن جبينه ، وهذا يحتمل أنه ينزل عليه كما كان عليه الصلاة والسلام إذا أنزل عليه الوحي يتصبب عرقًا ، ولو في وسط الشتاء ، ويحتمل أنه لم ينزل عليه ، لكن هذا السؤال له وقع على نفسه ، والشيء إذا ورد على النفس وله وقع عظيم فإن الإنسان يتأثر ويعرق كما حصل لمالك بن أنس رحمه الله لما قال له رجل: يا أبا عبد الله { الرحمن على العرش استوى } كيف استوى ؟ فأطرق برأسه حتى علاه الرحضاء ـ أي العرق ـ ثم رفع رأسه وقال:( الاستواء معلوم والكيف مجهول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ) والرواية المسندة عنه: ( الاستواء غير مجهول والكيف غير معلوم والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة ) لكن الأول هو المسند عنه ، وهذا هو المسند عنه ، فالرسول يحتمل أنه أنزل عليه كما ظن الصحابة ، ويحتمل أنه لشدة وقع هذا السؤال حصل له مثل ما يحصل لغيره من البشر ، ثم قال: ( أين السائل ) ؟ قال: أنا ، قال أبو سعيد: لقد حمدناه حين طلع ـ أي أنه لم يخفي نفسه ـ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صمت وجعل يمسح عن جبينه ربما يهاب الناس أن يقول أن السائل خوفًا من أن يكون نزل في شأنه ما يفضحه أو يوبخه0
قال صلى الله عليه وسلم: ( لا يأتي الخير إلا بالخير ) فالوسائل لها أحكام المقاصد وصدق النبي صلى الله عليه وسلم هذه قاعدة مطردة قعَّدها الرسول عليه الصلاة والسلام إن الخير لا يأتي إلا بالخير ، والشر لا يأتي إلا بالشر0
ثم قال: ( إن هذا المال خضرة حلوة ) خضرة: أي حي رطب كل النفوس تشتهيه مثل ما تشتهي البهيمة الزرع الأخضر ، حلو المذاق لكونه أخضر فهو جميل في المنظر فالنفوس سوف تنكب عليه0