إلى هذا الفهم قد سبقوني أيضًا إلى الفهم المخالف!!! هذا هو المعنى الأول الصحيح لكلام ابن حبان؛ وبقي المعنى الثاني الذي وعدنا ببيانه.
فالمعنى الثاني لكلام ابن حبان، هو: أن الأخبار كلها أخبار آحاد (ونعود بذلك إلى أن ابن حبان ينفي وجود المتواتر) وأن من اشترط لقبول أخبار الآحاد شروطًا غير شروط القبول عند أهل الحديث، مما يتعلق بعدد الرواة، كاشتراط أن يكون مخرج الرواية مخرج الشهادة على الشهادة إلى أن تبلغنا تلك الرواية؛ فهذا الشرط باطل، لأنه لا وجود لإسناد حديث تحققت فيه تلك الكيفية، وعليه فإن من اشترط ذلك الشرط لقبول أخبار آحاد، فإنما مراده تعطيل السنن كلها، لأنه لا وجود لخبر تحقق فيه ذلك الشرط.
هذا هو المعنى الثاني لكلام ابن حبان.
وعلى هذا المعنى يكون مقصود ابن حبان الرد على بعض متاخري المعتزلة كأبي علي الجبائي (ت303هـ) الذي ذهب إلى أن خبر الواحد لا يقبل، بل لابد من العدد وأقله اثنان [1] ، وجعل الرواية من باب الشهادة على الشهادة [2]
وصورة الشهادة على الشهادة التي شبهت بها الرواية مما أختلف فيه الفقهاء: فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعي في قول له: أنه أقل ما يقبل في الشهادة على الشهادة، أن يشهد شاهدًا فرع على شهادة شاهدي الأصل، فيكون كل فرد من شاهدي الفرع شاهدًا على شاهدي الأصل كليهما [3] .
وذهب الشافعي في قول آخر له (وهو اختيار المزني) : أن أقل ذلك، أن يشهد شاهدا فرع على شهادة شاهد أصل، وشاهدا فرع آخرين على شاهد الأصل الثاني: فيكون عدد شهود الفرع أربعة على شاهدي أصل [4] .
(1) البرهان للجويني (1/ 607رقم 546) .
(2) روضة الناظر لابن قدامة (1/ 382) ، وانظر آراء المعتزلة الأصولية دراسة وتقويمًا للدكتور علي بن سعد الضويحي (333 - 337) .
(3) المبسوط للسرخسي (16/ 137 - 138) ، والشرح الصغير على أقرب المسالك للدردير (4/ 292 - 294) ،والحاوي للماوردي (21/ 248 - 249)
(4) الحاوي للمارودي (21/ 248 - 249) .