وعلى كل حال، فإن الذي خرجنا به من كلام ابن حبان: أنه يرى السنة كلها مما يروى بالأسانيد داخلة في خبر الآحاد، لأنه لا يوجد خبر منها اجتمعت فيه شروط الخبر المتواتر.
ولست أنا أول من فهم ذلك من عبارة ابن حبان: بل أنا مسبوق بذلك من جمع من الأئمة.
قال الحافظ أبن حجر في (نزهة النظر) بعد ذكره شروط الحديث المتواتر:"ذكر ابن الصلاح أن مثال التواتر المتواتر على التفسير المتقدم يعز وجوده، إلا أن يدعى ذلك في حديث (من كذب علىَّ) وما ادعاه من العزة ممنوع، وكذا ما ادعاه غيره من العدم" [1] .
فمنهم السخاوي - تلميذ ابن حجر وأعرف الناس به - أن الحافظ أراد بمدعي العدم (أي عدم وجود المتواتر) ابن حبان [2] ، وكذلك مضى شراح النزهة كملاعلي القاري [3] والمناوي [4] ، وغيرهما.
إذن فلست بدعًا في ذلك الفهم لكلام ابن حبان!
وإن كان الأمر العجيب حقًا هو أن الأئمة السابق ذكرهم تناقضوا في فهم كلام ابن حبان، حيث ذكروا أن ابن حبان بكلامه الذي نفى به وجود المتواتر ينفي وجود (العزيز أيضًا) [5] !!!.
وما نقلناه عنهم أولًا هو الصواب، وأما هذا الأخير فبعيد عن الصواب كل البعد، وإنما أردت من ذكر ذلك بيان أن الفهم الذي صوبته فهم قد سبقت إليه، ثم بعد أن تأيد بأوجه الدلالة السابق بسطها، لا يؤثر في ذلك أن الأئمة الذين سبقوني
(1) نزهة النظر (42) .
(2) فتح المغيث للسخاوي (4/ 19) .
(3) شرح شرح نخبة الفكر، للقاري (187) .
(4) اليواقيت والدرر للمناوي (1/ 144) ، وتحرف فيه (ابن حبان) إلى (ابن الحاجب) !
(5) نزهة النظر لابن حجر (46) ، وفتح المغيث للسخاوي (4/ 7) ،وتدريب الراوي للسيوطي (2/ 167 - 168) ، وشرح شرح نخبة الفكر للقاري (206) ، واليواقيت والدرر للمناوي (1/ 164 - 166) .