فها أنت ترى أن ابن حزم بنى القول بإفادة العلم الضروري على تحقق استحالة التواطؤ على الكذب ووقوع الغلط في رواية اثنين فصاعدًا.
وهنا نقول: هل يمكن أن نجد خبرًا من السنة نعلم يقينًا أن راوييه لم يلتقيا، ولم يتراسلا، ولم يدسسا (على تعبير ابن حزم) ؟! وكيف يثبت ذلك يقينًا [1] ؟!
وهنا نعود فنقول: إنه لا يوجد خبر من رواية عدلين يروي كل واحد منهما عن عدلين إلى أن ينتهي ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، استحال تواطؤ راوييه على الكذب ووقوع الغلط منهما، وهذا ما سبق أن قلناه في توجيه كلام ابن حبان، وفي بيان مراده بالنفي للوجود الذي ذكره، وأنه إذا لم يوجد ذلك في خبر الاثنين فهو في خبر الثلاثة أولى بالعدم وأحق بالاستبعاد، كما سبق هذا توجيه كلام ابن حبان، مع نفي الاعتراض عن هذا التوجيه.
ثم نقول لمن زعم أن كلام ابن حبان يعني به نفي وجود رواية الاثنين (العزيز) : إن أغضينا الطرف تمامًا عن كل ما سبق ذكره، مما يدل على بطلان هذا الزعم؛ فما هو معنى قول ابن حبان"الأخبار كلها أخبار أحاد"عندك؟ وما هو مراده بالآحاد؟
هل يقصد بالآحاد (الغريب) ؟ وهو ما تفرد بروايته شخص واحد!!! أم يقصد بالآحاد (الغريب) ، وما رواه ثلاثة فأكثر ما لم يبلغ حدّ التواتر؟!!! أما رواه اثنان فليس آحادًا عنده!!!.
ثم كيف ينفي ابن حبان (العزيز) وصحيحه مليء منه، والمتابعات التي يذكرها مما يبلغ رواية الاثنين والثلاثة فأكثر موجودة فيه؟!!.
بل كيف يتصور صدور مثل هذا المعنى مما له أدني إطلاع على كتب السنة؟!! فضلًا عن حافظ من كبار نقاد السنة!!! وهل يستطيع أحد أن ينتقص الأئمة بأكثر من نسبة مثل هذا القول إليهم؟!! مما لا يقول به جاهل!!!.
(1) انظر المنهج المقترح (111) .