فأقول: أما (كيف يصح أن يكون ابن حبان أراد بكلامه السابق المتواتر؟، فهذا ما قررناه آنفًا، وما في إعادة الكلام وتكرير التقرير إلا دليل على بلاده في الفهم من المطالب بذلك، فأعيذك من هذا، ويكفيك أن تعيد قراءة ما سبق.
أما كيف يصح توجيهي لكلام ابن حبان، مع ما ذكر؟ فهذا باب واسع وكلام ذو شجون، لكني اختصر فأقول: إن العدد"الكثير المشترط في المتواتر إنما اشترك لأنه - عند من ذكره -دليل على استحالة التواطؤ على الكذب ووقوع الغلط، وليس العدد الكثير بحد ذاته شرطًا، بدليل أن العدد الكثير إذا لم يفد تلك الاستحالة فلا يكون مقبولًا للقول بالتواتر، وعلى هذا فليس العدد الكثير في الحقيقة شرطًا منفصلًا، وإنما اشترطه القائلون به لظنهم أنه لا تتم الاستحالة المطلوبة إلا به، وقد بينت في (المنهج المقترح) أن تلك الاستحالة لا تستفاد مما ذكروه [1] ، بل الإمام الشافعي هو الذي بين ذلك قبلي [2] ."
إذن فاستحالة التواطؤ على الكذب ووقوع الغلط هي الشرط الحقيقي في المتواتر، عند من يقول به، ولذلك قال ابن حزم في (الأحكام في أصول الأحكام) في مجال بيان الخبر الموجب للعلم الضروري:"ولكنا نقول: إذا جاء اثنان فاكثر من ذلك، وقد تيقنا أنهما لم يلتقيا، ولا دسسا، ولا كانت لهما رغبة فيما أخبرا به، ولا رهبة منه، ولم يعلم أحدهما بالأخر، فحدث كل واحد منهما مفترقًا عن صاحبه، بحديث طويل، لا يمكن أن يتفق خاطر اثنين على توليد مثله، وذكر كل واحد منهما مشاهدة أو لقاء لجماعة شاهدت أو أخبرت عن مثلها بأنها شاهدت؛ فهو خبر صدق يضطر - بلا شك - من سمعه إلى تصديقه، ويقطع على غيبه" [3] .
(1) المنهج المقترح (109 - 112) .
(2) جماع العلم للشافعي (رقم 309 -324) .
(3) الإحكام لابن حزم (1/ 107) .