الصفحة 3 من 166

صحبه الغر الميامين، وعلى من تبعهم بإحسان وهدى إلى يوم الدين، وجعلنا الله -عز وجل- منهم، آمين.

هذه الدورة، كنت أتمنى حقيقةً أن ألتقي فيها مع إخواني، فنقرأ علم الأصول ولا نقرأ مصطلح علم الأصول؛ لأن العلوم التي تدرس في هذه الأيام من علم الحديث وغيره، إنما تدرس فيها مصطلحات أهل الفن.

فكل علم من العلوم له مصطلحات خاصة به، لا بد لمن يدرسه أن يتعلم الألفاظ الخاصة به، و"المصطلح"هو لفظ يخرج من إطار اللفظ العام المتداول بين أيدي الناس، ليكون خاصًا لفئةٍ يتعاملون به تعاملًا خاصًا يختلف عن تعامل العوام به، فمثلًا: كلمة"المرفوع"في علم الحديث، لها معنى عند أهل هذا الفن -وهم علماء الحديث-، ويقصدون بها الحديث المنسوب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ ولكن لو قلت"المرفوع"في لغة العامة، فربما تعني شيئًا رفعناه من مكان إلى مكان آخر، أو تعني مزية لشيء رفعت درجته أو هكذا.

فالقصد؛ أن لكل علم من العلوم مصطلحات خاصة به لا بد من معرفتها، وهي المادة الأولية التي يكتسبها المرء ليدخل فيه؛ ومعرفة المصطلحات لا تصلح لممارسة هذا العلم، وممارِسُه -أو المتفقه فيه- لا بد أن يأخذ أدوات أخرى للدخول فيه، فالمصطلحات هي المادة الأولية التي يأخذها المرء لمعرفة مدلولات الألفاظ التي يتعامل بها أهل فن معين، ويكتبون بها كتبهم؛ لكن بعد ذلك لا بد أن يعرف قواعد هذا الفن، وكيفية استخراج هذه المصطلحات من العلوم التي بين يديه.

ففي علم الحديث مثلًا، حتى تعرف الحديث المرفوع من الحديث الموقوف، أو من الحديث المقطوع، لا بد لك من ممارسة عملية على المادة التي بين يديك في هذا العلم، والمادة المدروسة هنا هي الحديث النبوي، فلمعرفة ما هو الأقوى؛ هل هو أن يكون مرفوعًا، أو موقوفًا، لا بد من ممارسة عملية لهذا العلم، ولا بد أن تصبح لديك قواعد ومِران وإحاطة بهذه المادة.

وهذه القاعدة شاملة لكل علم من العلوم في دراسته: لا بد أولًا من أن تجمع مادة هذا العلم، فالطبيب مثلًا، لا يمكن أن يمارس طبه إلا بوجود البدن بين يديه ليمارس فيه، فمِن غير وجود البدن، علمه يبقى في مجال التصورات الذهنية العقلية. كذلك؛ من غير أن يدرس المرء في مادة الحديث، لا يمكن له أن يستفيد من هذه المصطلحات، هو يمكن أن يصبح عارفًا بها وقارئًا لها، ولكن لا يسمى هذا الرجل بعالم الحديث حتى يمارس على المادة ويجمعها.

فالخطوة الأولى هي أن تجمع المادة، والثانية هي أن تدرسها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت