عن البشر، وبهذا صح الحديث: (إن فضل كلام الله -عز وجل- على سائر الكلام كفضل الله على خلقه) ، لكن لما قالوا: أن القرآن مخلوق، فما معنى الإعجاز عندهم؟
فلا بد له من تفسيرات، ومما وجدوا هو الصِّرفة؛ الصرفة أي أن الناس لو أرادوا لأتوا، ولكن الله صرف عنهم الإرادة، وهذا يكذبه الواقع لأن هناك من حاول كمسيلمة الكذاب وكذلك بعض الزنادقة -كابن الراوندي وقيل ابن المقفع- حاولوا أن يأتوا بمثله، فلو كان الإعجاز هو الصرفة لوُجد من نازع في ذلك، فدل على أنه ليس بمعجز ما دام أنه قد وجد.
فما هو وجه الإعجاز فيه؟
هناك محاولات لمن كتب في الإعجاز أن يضع إحصاءً أو يضع تبويبًا لما هو الإعجاز، فأهل اللغة يقولون أنه معجز من جهة البيان ويقولون: نحن نتحدى أن يثبت وجود خطأ وكلمة في غير موضعها، بل يقولون: لو أن كلمة أُزيلت من مكانها ووُضع مكانها كلمة أخرى مما يظن الناس أنها تقوم في معناها لوجدنا الاختلاف. وهذا وجه من وجوه الإعجاز، وهو الإعجاز البياني: أن كل كلمة قد وُضعت موضعها التي لو أزيلت لاختل النظام. وهذا المعنى الذي يدقق عليه أهل اللغة أنه المراد من الإعجاز عندما تحدى العرب؛ لأن العرب لم يفهموا منه الإعجاز العلمي، ولم يفهموا منه أنه جاء ليخبرهم بأمور كونية غائبة عنهم أو أنها موافقة لما يقولونه أو يكتشفونه.
ثم بعد ذلك ذكروا صورًا من الإعجاز: الإعجاز التشريعي؛ أن فيه من التشريعات ما يوافق الفطرة، الإعجاز العلمي الذي ذكره بعض المتأخرين، بالرغم من أننا ذكرنا أنه مذكور عند الأوائل كما ذكره الشاطبي ورفضه على أساس أنه يجب إنزال القران الكريم والسنة النبوية -ليفهم الفهم الصحيح- على مجاري العرب الأُميين الذين يتحدون من جهة البيان فقط لا من جهة المعاني الزائدة التي لا يعرفونها، والآن يقولون: الإعجاز العددي، ويذكرون الإعجاز بما سيقع من أمور الغيب وقد وقع كما في قوله سبحانه: {غُلِبَتِ الرُّوم} [الروم/2] ، فهذه صور الإعجاز.
ولكن الصورة التي لا ينبغي أن تذهب عن الأذهان هي الصورة الأولى، أن العربي هو سيد البيان واللغة، وقد مَلَك ناصيتها وفهمها إلى أعلى درجة بشرية في الفهم، ومع ذلك قرؤوا كتاب الله -عز وجل- ورأوا فيه شيئًا أعظم مما هو عندهم ويحسونه في نفوسهم، فليست درجة الإعجاز أنهم لم يكتشفوها ولكنهم علموا ما فيه وعرفوا أنهم أعجز من أن يأتوا بمثله.
وهي مسألة في داخل النفس التي تُتقن العلوم؛ فهذا الحديث عن هذه النقطة لن يكون بمثل درجة الوضوح التي كانت موجودة لدى العربي، فإنه شيء يحس به، وإذا قرأه فهمه وعلم