الصفحة 154 من 166

وكل هذا الأمر لا يعترف به الظاهرية وعلى الخصوص ابن حزم، فهو لا يعترف بمراتب الدلالة ولا يعترف حتى بمراتب الثقة؛ فهناك الثقة ومن هو أوثق منه وهكذا، -وسنتكلم عن هذا في دلالة الألفاظ على المراد-.

هناك قول ينتشر في كتب أصول الفقه، وكتب أصول الدين:"أنه لا يصحّ الاعتقاد إلا بيقين"، وصار بعض الأحساب حتى في أيامنا هذه يقولون:"أدلة الاعتقاد قطعية"، أي أن الاعتقاد لا يؤخذ إلا من مصدر يقيني، ويجوز الظني في المسائل العملية.

هنا كلام لشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله- في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) في المجلد الأول، وهذا المجلد على الخصوص أنا أنصح إخواني بقراءته لأنه مليء بالأصول والقواعد المقررة -بخلاف ما بعده؛ هو ومليء بالعلم، ولكنه دخول في فرعيات المسائل للرد على الرازي، وكتابه في الرد على الرازي الذي سماه (القاعدة الكبرى -أو القاعدة الكلية- في تعارض الأدلة السمعية والعقل) -.

قراءة من (درء تعارض العقل والنقل) لشيخ الإسلام ابن تيمية

يقول:"وأما قوله: هل يكفي في ذلك ما يصل إليه المجتهد من غلبة الظن، أو لا بد من الوصول إلى القطع؟"؛ يتحدث عن مسائل الاعتقاد.

"فيقال: الصواب في ذلك التفصيل، فإنه وإن كان طوائف من أهل الكلام يزعمون أن المسائل الخبرية -التي قد يسمونها مسائل الأصول- يجب القطع فيها جميعها، ولا يجوز الاستدلال فيها بغير دليل يفيد اليقين، وقد يوجبون القطع فيها كلها على كل أحد":

ليس فقط يوجبون ثبوتها عن طريق القطع، ولكن يوجبون كذلك أن يقطع بها كل أحد؛ أن يعلمها كل أحد وأن يأخذها من دليل يقيني، وأغلب هذه المسائل يقررون أن معرفتها تمَّت عن طريق العقل، بطرق البرهان التي يقولونها؟

"فهذا الذي قالوه على إطلاقه وعمومه خطأ مخالف للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة وأئمتها، ثم هم مع ذلك من أبعد الناس عما أوجبوه؛ فإنهم كثيرًا ما يحتجّون فيها بالأدلة التي يزعمونها قطعيات، وتكون في الحقيقة من الأغلوطات، فضلًا عن أن تكون من الظنيات، حتى إن الشخص الواحد منهم كثيرًا ما يقطع بصحة حجة في موضع، ويقطع ببطلانها في موضع آخر، بل منهم مَن عامة كلامه كذلك -أي متضارب يضرب صدره عجزه -، وحتى قد يدعي كل من المتناظرين العلم الضروري بنقيض ما ادعاه الآخر."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت