الحج في هذه الأيام التي فسدت فيها الأرض كلها أو جلها وضل أكثر أهلها طريق الفلاح. أرأيتم السجين في الحبس المغلق، الفاسد الهواء، الكريه الرائحة، الذي يخنق من يكون فيه حتى لا يدع له نفسًا يطلع أو ينزل، ثم تفتح له نافذة على الروض المزهر يهب منها النسيم، رقيقًا ناعشًا، يحمل معه العطر والزهر.؟.هذا مثال نفحات الحرم في هذه الأيام التي زكمت فيها الأنوف وخنقت القلوب روائح الإلحاد والفساد.
فيا أيها الواقفون في عرفات: هنيئًا لكم موقفكم إن عدتم منه مغفورًا لكم، هنيئًا لكم إذا وُفَّقتم إلى قبول حجكم. هذا الذي كنتم تتمنونه قد نلتموه فلا تعودوا منه صفر اليدين، إنكم في يوم تفتحت فيه أبواب السماء، في يوم يقبل فيه الدعاء، فمدوا أيديكم واسألوا ربكم ادعوه تضرعوا إليه، ولا يقل قائل من الناس: إننا في معركة مع اليهود، وأنت تريد من أن نكتفي بالدعاء. أنا لا أريد ان تدعوا دعاء الخاملين العاطلين ولا يريد ذلك الإسلام، بل أريد أن نتمثل أمر الله، أن نعد ما استطعنا من القوة لأعدائنا، وان نبذل ما نقدر عليه من جهدنا، ثم نسأل ربنا النصر على عدونا لأن النصر ليس مقترنًا حتمًا بكثرة العدد ولا بضخامة العُدد. والمسلمون الأولون الذين خاضوا عشرة آلاف معركة (إذا استثنينا منهما بضع معارك) كانوا دائمًا أقل من عدوهم عددًا وعُددًا. لقد نصر الله المسلمين ببدر وهم أذلة، أذلة عند الناس لا أذلة أمام الحق. فالمؤمن لا يذل أبدًا. ويوم حنين أعجبتهم كثرتهم فلم يغن عنهم شيئًا. أمرنا الله بأن نعد ما استطعنا من القوة لكن هل نعدها للنصر؟ لا بل لنرهب بها عدو الله وعدونا، وما النصر إلا من عند الله، أنزل الله ملائكته في بدر، هل أنزلهم للنصر؟ لا، وإنما أنزلهم بشرى، (وما جعله الله إلا بشرى ولتطمئن به قلوبكم) ، (وما النصر إلا من عند الله) . (وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله) .