ولو كان مثل هذا المشهد لأمة من الأمم الحية التي تقدر أمجادها، وتحصي مفاخرها، لنظم فيه مئة ملحمة وألف رواية، وعشرة آلاف قصيدة ومقطوعة، ولباهوا به الإنس والجن، وأين مثل هذا المشهد؟.
أين تجدون مليون شخص أو مليونين يأتون من كل بلد في الدنيا إلى بقعة مقفرة خالية ما فيها ماء، وليس فيها شجرة خضراء، فإذا وصلوا قيل لهم: مكانكم! قفوا لا تدخلوا حتى تخلعوا ثيابكم كلها. وبالثياب يتفاوت الناس، وبالثياب تتكون شخصياتهم، ولولا الثياب ما كانت هيبة رجل الدين وسطوة رجل الجيش، في نظر العامة، ولا امتاز غني عن فقير، فإذا خلعوها اختلطت الطبقات كلها حتى صارت طبقة واحدة هي طبقة الحجاج، لا نقول هنا للأمير: يا سمو الأمير ولا للمدير: يا سعادة المدير، ولا نخاطب العظيم بخطاب التعظيم، فما ها هنا أمير ولا مدير، ولا غني ولا فقير، ولا كبير ولا صغير، ما هنا إلا حجاج. فتقول لكل من تراه غدًا هنا: يا (حاج) ولا يغضب من قولك بل يسر به ويراه أبلغ التكريم.
فأروني موقفًا آخر عرفه البشر من أقدم الزمان إلى الآن يزول معه التفاوت بينهم في الثياب وفي البيوت وفي الألقاب؟ قد يأتي إلى المشاهد الدولية والمعارض العامة وحفلات المباريات وكثير من المناسبات، قد يأتي أعداد البشر تعدل أو تزيد على أعداد الحجاج في بعض السنين. ولكنهم يأتون ومعهم دنياهم، تفرق بينهم، ثيابهم تفرق بينهم، مساكنهم: هذا نزل في (موتيل) على الطريق، وذاك في أفخم فندق في المدينة، وهذا يزاحم ويقف في الصف ليصل إلى ما يبتغي، وذاك يسبق أو يتأخر ليخلوا له الطريق. وهنا (في الحج) نظام عام، قانون شامل، كلهم يقفون في موقف محدد، في وقت محدد، ويعملون العمل المحدد. جميعهم يقف في عرفات، ويمر من مزدلفة، ويطوف ويرمي، ولا ميزة لأحد على أحد. كانت لقريش (أي الحمس) امتيازات جعلوها لأنفسهم، فلا يقفون خارج الحرم،