بها، وينصرف القلب إلى ذكر الله والاستعداد للآخرة. إنكم تعيشون أيامكم كلها للدنيا، تهتمون بها، وتجمعون لها وتحرصون عليها، فاجعلوا هذه الساعات من هذا اليوم للآخرة. فرّغوا قلوبكم لها نصف نهار وأنا أعلم أن الشيطان لم يكن ليدعكم، والشيطان موكل بالإنسان، يأتيه من أمام ومن خلف ومن يمين ومن شمال، ويجري منه مجرى الدم ويوسوس له ويحوم حوله كالعدوّ يحوم حول القلعة، فإن وجد حراس القلعة ساهرين يرمونه بالرصاص إذا تقدم، ووجد القلعة محكمة البنيان، ليس لها منفذ، وقف بعيدًا. فإن وجد غفلة من الحارس، أو ثغرة في الجدار دخل.
وقلعة الإيمان، حراستها بيقظة القلب، الدفاع عنها بذكر الله، وثغرات الشيطان إليها كثيرة ولكن أوسعها اثنتان: الشهوة والغضب. فإذا غلبت على الإنسان الشهوة، وتملكه الغضب، فقد أعلن استسلامه للشيطان. فأقبلوا في هذا اليوم على الله فإنه يوم واحد في السنة ولعلكم لا تقفون هذا الموقف مرة ثانية فحاولوا أن لا تضيعوا دقيقة منه إلا في طاعة ودعاء، فإن لم تدعوا بألسنتكم فاذكروا الله بقلوبكم، تذكروا ذنوبكم واستغفروا منها ربكم، فإن لم تفعلوا ذلك، فلا أقل من أن تعصموا ألسنتكم عن الغيبة والكذب فإنهما حرام كل يوم وحرمتهما في هذا اليوم أشد.
إن الاختلاف يكاد يكون في هذه الدنيا من لوازم الإنسان، اختلاف في القوميات، وفي الألسنة وفي المذاهب والألوان، ونزاع دائم: نزاع على الأموال وعلى اللذة وعلى الجاه، وعلى السلطان. اختلاف وتنازع في كل مكان وفي كل زمان، في أقصى الشرق وأقصى الغرب، من أقدم الأزمان إلى الآن، لا تجدون مكانًا واحدًا يخل من الاختلاف وتسقط فيه حواجز الدم واللسان وتمحي فيه فوارق الغنى والسلطان، إلا هذا المكان.