الوقفة الكبرى
أمامي بسيط من الأرض كان أمس (الأربعاء) صحراء، ما فيها دار ولا ديّار، وغدًا (الجمعة) تصير مدينة عامرة فيها شوارعها وبيوتها وسياراتها وكل ما يحتاج إليه ساكنوها، وساكنوها يزيدون عن مليونين من الناس.
نحن نعرف قصة إنشاء كثير من المدن، واسط التي بناها الحجاج، وبغداد المنصور، وقاهرة المعز، مدن كثيرة صغيرة كما يولد كل حي ثم نمت وكبرت. ولكن هل عرفتم مدينة تولد في يوم واحد فإذا هي من كبريات المدن ثم تخلو بعد يوم واحد؟ بلدة قامت في صحراء حيث لا نبع ولا ماء، وليس فيها حدائق ولا بساتين، ليس فيها شيء مما في الشام وجاوه وسويسرا من بارع المناظر، وفاتن المشاهد، وليس فيها شيء مما في مصر والهند والعراق، من جليل الآثار، وليس فيها سوق للتجار يبيعون فيه ويشترون ويربحون. ولا ملاعب للهو، ولا مقاصف للمتعة، يؤمها قاصدوها يستمتعون ويمرحون. ولا جامعات ولا نواد للمحاضرات يحضرها طلبة العلم ورواد المعرفة والإطلاع. ليس فيها شيء من ذلك. وعظمتها أنه ليس فيها من ذلك شيء.
لو كانت الوقفة في بلاد الجمال أو المال أو الثقافة أو اللهو والتسلية لاشتغل الحجاج بذلك عن الوصول بقلوبهم إلى الأُنس بالخلوة بالله، وإلى لذة مناجاته. لذلك كانت الوقفة في أرض خالية ما فيها ما يشغل القلب أو البصر أو العقل، وكانت بثياب ما فيها من معاني الثياب إلا أنها تستر الجسد، وتحجب العورة، فلا أناقة ولا زينة ولا تفاخر ولا تفاوت. وكان القعود فيها على الأرض تحت الشمس أو في خيام ليس فيها معاني البيوت إلا أنها تمنع الشمس، فلا قصور حولها البساتين الواسعة، ولها الأبواب الشارعة، ولأبوابها الأقواس الرائعة، وعليها الصور البارعة، لا شيء من ذلك كله. قد اختصرت الدنيا واقتصر منها على هذا الأقل الذي لابد منه، ولا غنى عنه، لتشغل من قلب الحاج الحد الأدنى للاهتمام