الصفحة 15 من 22

(التلبية)

هل تظنون أن الصحابة الكرام، حينما كانوا يلبون، يلبون بهذه اللهجة الرتيبة المتكررة الإيقاع؟ أم يلبون من قلوب ملأها الإيمان، وللإيمان وقدة تبدو حرارتها على اللسان، فتسري إلى السامع فتهزه كما تسري الكهرباء في جسد من يلمس سلكها فيصير مشحونًا بها، فمن وضع يده عليه سرى تيارها إليه.

هل تظنون أن الصحابي عندما كان يلبي، كان ذهنه في النغمات والإيقاع، يحاذر أن يخرج عليها، أو أن ينشر عنها؟ هل سمعتم بأن الصحابة أو التابعين وأن أهل الصدر الأول كانوا يلبون هذه التلبية الجماعية، يتقدمهم واحد يقول فيعيدون ما قال، كأنهم الأطفال، في مدرسة الحضانة، يتعلمون حروف ألف باء؟ أم تحسبونهم كانوا يلبون ليسمعهم الناس؟ كان الواحد منهم يربط بالله قلبه، ويخاطبه وحده، ينسى من معه، يسد الأبواب كلها من حوله، فلا يبقى إلا باب واحد هو الذي فوقه، الباب الذي يظل مفتوحًا دائمًا، لا يسد أبدًا: باب الله الذي فتحه للداعين وقال لهم: (ادعوني استجب لكم) .

لذلك كان موقف (عرفات) منبع عزة المؤمنين.

إن القلوب كالمذاخر (المذاخر كلمة صحيحة وضعتها للبطاريات) كلما ضعفت فيها كهرباء الإيمان شحنتها (عرفات) بطاقة جديدة منها، فعادت كما كانت.

والتلبية أولًا والتكبير ثانيًا هما شعار الحج، وهما يحسنان في كل حين، وصيغ الذكر كثيرة، ولكن الله جعل لكل مقام مقالًا، ولكل عبادة ذكرًا، فمن قرأ القرآن في الركوع والسجود كان مسيئًا، وإن كان القرآن أفضل من التسبيح.

فلماذا لا نلبي نداء ربنا في الحج وفي غير الحج؟ لماذا نلبي بألسنتنا ولا نلبي بقلوبنا؟ لماذا لا يظهر أثر تلبيتنا في سلوكنا وفي أعمالنا وفي كل مظاهر حياتنا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت