ومن العلم الذي تستلزمه هذه القوة، كل هذا واجب على المسلمين ولكن عليهم قبل هذا، وبعد هذا، أن يرجعوا إلى ربهم لأن النصر منه، إن أعداءكم يتفقون دائمًا عليكم. ولو أنهم اختلفوا في كل شيء ما اختلفوا في حرب دينكم، يخافون أن تصحوا من المخدر الذي حقنوه في عروقكم وأن تتخلصوا من آثاره في أجسادكم، لذلك فرقوكم فرقا من القوميات والعصبيات والعقائديات، ومزقوكم مزقًا بالحزبيات وبالنظريات الغربية عنكم، ضربوا بعضكم ببعض لا ليكون النصر لبعضهم على بعض، بل لتضعفوا جميعًا بانقسامكم، فيكون لهم النصر عليكم كلكم، فأبطلوا سحرهم وردوا إليهم سهامهم، وخيبوا في اتفاقكم رجاءهم، اجتمعوا اليوم بقلوبكم كما تجتمعون في هذا الموقف بأجسادكم، بأن لا تدعوهم يقسمون جمعكم ويجعلون من منكم بيضًا وسمرًا وسودًا. فالإسلام لا ينكر الواقع ولا يقول للعربي إنس َعروبتك، ولا للتركي دع تركيتك، ولكن يقول لكل منهم: كن مسلمًا أولًا، ثم كن عربيًا أو تركيًا أو ما شئت على أن تعلم أن أخوة الإيمان فوق أخوة الجنس واللون واللسان. لا تدعوهم يفرقونكم إلى يمينيين ويساريين، فالله ما جعل لنا إلا قبلة واحدة نتجه إليها.
فيا أيها الإخوان يا أيها الحجاج في عرفات: اذكروا أخوة الإيمان، وأنها أقوى من عوامل الفرقة. وهذا الدليل حولكم، هذا الموقف الذي ليس له نظير (وفي أنفسكم أفلا تبصرون) هذه الخلائق التي يزيد عددها على الملونين أو ربما زادت على المليونين، كيف زالت من بينها كل الفوارق، ووقفت في هذا المكان الواحد، بهذا اللباس الواحد، تهتف بالهتاف الواحد، تنتسب إلى الدين الواحد، وتعبد الرب الواحد أفبعد هذا تحتاج الدعوة إلى دليل؟ [1]
(1) على الطنطاوي"ذكريات"الطبعة الثالثة الجزء الثالث (دار المنارة ـ جدة ـ 1421هـ ـ 2000م ص 179ـ 190) .