علم بالشريعة، ومعرفة بالواقع المعاصر .. وأن من علم الأحكام الشرعية ولم يعلم الواقع أنزل الآيات والأحاديث على غير منازلها ووضعها في غير مواضعها، ومن علم الواقع ولم يعلم الشريعة كان كمن علم الداء ولم يعلم الدواء فإنه يداوي بغير طب، وقلنا كذلك إن القرار والأمر يجب أن يكون صادرًا وفق قواعد الاجتهاد الشرعي والمعرفة بالمصالح والمفاسد. وهذه قضية أشرنا إليها إشارة، وتفصيلها في غير هذه الرسالة.
واليوم نأتي إلى قضية هامة من قضايا العمل الجماعي وهي من يملك القرار في جماعة الدعوة؟
والجواب أننا بحمد الله نظرنا طويلًا في هذا الأمر وقد ألفت فيه رسالة منذ سبعة عشر عامًا تقريبًا بعنوان (الشورى في ظل نظام الحكم الإسلامي) وكان فيها فصل خاص بالفروق الأساسية بين جماعة الإسلام وجماعة الدعوة. وقد وصلنا منذ ذلك الوقت، وزادتنا الأيام والأحداث علمًا - إلى الحقائق التالية:
1 -أنه لم يوجد ولا يوجد الرجل الذي أحاط علمًا بكل أحكام الدين، وبواقع أمة الإسلام، ويستطيع أن يصف الدواء لكل علة، والقرار الصائب في كل مشكلة، وإن كان يوجد هذا الرجل فلابد أن يكون رسولًا لا ينطق عن الهوى، ويوحى إليه في كل أمر. ومع أن هذا لا ينطبق إلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط فإن الله سبحانه وتعالى أمره بالرجوع لأصحابه ومشاورتهم فقال له: {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك} الآية ..
والآيات هذه نزلت بعد أحد، وكان من شأن الشورى في هذه الغزوة أحد أسباب الهزيمة، ومع ذلك أمره سبحانه وتعالى أن يشاور أصحابه .. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه في كل وقائع التطبيق تقريبًا، كأخذ الفدية في بدر، ومصالحة غطفان في الخندق، وتأمير الأمراء، ونحو ذلك من مصالح المسلمين العامة، بل ومن أمور الرسول الخاصة كحادث الإفك .. وكذلك كان الشأن في خلفائه الراشدين من بعده.
2 -لا يجوز للإمام أن يخالف رأي جمهور الأمة:
والمطلع في سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين يجد أنه ليست هناك واقعة واحدة خالف فيها رسول الله ولا خلفاؤه الراشدون ما يشير به جمهور الأمة، بل صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لأبي بكر وعمر: [لو اجتمعتما على رأي ما خالفتكما] وقد رجع رسول الله إلى رأي جمهور أصحابه وإن كان على خلاف رأيه في وقائع كثيرة منها الخروج إلى الكفار في أحد، والبقاء على حرب الكفار في الطائف، والعدول عن مصالحة غطفان في الخندق، علمًا أن الرسول كان قد أبرم الصلح وكتب العهد ولكنه لم يوقع عليه بعد .. وكذلك