فهرس الكتاب

الصفحة 32 من 34

الحال مع خلفائه الراشدين ولا يعرف حالة واحدة انفرد الإمام فيها بالرأي وخالفه جمهور الناس وأمر الناس بعد ذلك بطاعته.

والنصوص القرآنية والحديثية قاضية بذلك. فقوله تعالى: {وأمرهم شورى بينهم} ظاهر في أنه لا يجوز للإمام أن يقطع برأيه دون المسلمين، ولا يجوز أن يلزمهم برأيه الذي يخالفونه ويعارضونه، وكذلك قول الرسول صلى الله عليه وسلم لكل أمير يوليه سرية أو جيشًا: [وإن أنت استنزلت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله وحكم رسوله فلا تنزلهم على حكم الله وحكم رسوله لأنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله وحكم رسوله أم لا ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك] (رواه مسلم) . فقوله صلى الله عليه وسلم: [ولكن أنزلهم على حكمك وحكم أصحابك] ظاهر أنه لابد من اجتماع الآراء في ذلك أو اتفاق معظمهما على الأقل حتى يصدق فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: [ولكن على حكمك وحكم أصحابك] ..

وهذا النص يلح مستندًا أن الجماعة الصغرى يجب أن تكون في هديها واجتهادها على نمط الجماعة الكبرى. وعلى كل حال إذا كان هذا هو المسلك في الجماعة العامة فإنه في الجماعة الخاصة أولى؛ لأن الإلتزام فيها اختياري وتلك الإلتزام بها جبريًا مفروضًا.

3 -المصلحة الشرعية تقتضي إلزامية الشورى:

ولا شك أن المصلحة الشرعية تقتضي إلزامية الشورى ووجوب العمل برأي الأغلبية؛ لأن هذا أولًا أدعى للبعد عن الاستبداد وسد ذرائع اتباع الهوى والمنافع الخاصة، وجعل المسؤولية جماعية، وتحميل الأمة، والجماعة نتيجة قرارها، وسد باب الطعن في الأمراء، وتحقير اجتهادهم .. وهو كذلك من أعظم أسباب لمِّ الشمل ووحدة الكلمة، وعدم الاعتراض على الأمر لأنه يكون صادرًا بجمهور المستشارين، ورضا الأمة والجماعة .. ثم إن الإمام العام أو الأمير الخاص هو في النهاية فرد من الأفراد قد يكون له من إخوانه ورعيته أكفاؤه وأمثاله، بل قد يكون هناك من هو أكفأ منه، ولكن الظروف حالت دون جعله في الصدارة. فلماذا إذن يصبح رأيه هو الفيصل الذي لا رأي بعده؟ ولماذا إذا أجمعت الأمة أو اتفق جمهور المهتدين على رأي كان له أن يخالفهم ويمضي أمره، وتلزم الأمة أو الجماعة به؟ إن هذا يؤدي في النهاية إلى ما ذكرنا من الفساد والفرقة والخلاف ..

ولا شك أنه لا يجوز في هذا الصدد أن نستدل بقوله تعالى {وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله} وقوله تعالى {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} ونحو ذلك من الآيات لأنه استدلال الجهلاء السخفاء الذين ينزلون القرآن في غير منازله .. فإن هذه الآيات تبين أن أكثر الناس يبقى على عناده وكفره ولا يتبع الحق، ويدخل في الإسلام. وأما ما نحن بصدده

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت