فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 34

ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل. فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم معاذ فقال لسعد بن عبادة: كذبت. لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافق!! فتثاور الحيَّان الأوس والخزرج وهموا أن يقتتلوا ورسول الله يخفضهم حتى سكتوا وسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم (رواه الإمام البخاري من حديث عائشة رضي الله عنها) .

والشاهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم ينه عن هذه التجمعات التي يمكن أن تؤدي فيها العصبية إلى مثل هذا. بل بقى للأوس اجتماعهم ورئاستهم، وللخزرج كذلك، وكانوا كما أسلفنا متعاونين في أكثر أمورهم على البر والتقوى متنافسين في خدمة الدين، وأحيانًا يقع منهم التعصب والإخلال، في أصل الموالاة، ومع ذلك لم يكن هذا ليلغي اجتماعهم وجماعتهم.

وهكذا شاهد تاريخ الإسلام كله في ظل الخلافة الراشدة وخلافة بني أمية بعد ذلك، وخلافة بني العباس وبني عثمان وغيرهم من الجماعات الخاصة الدعوية، والجهادية، والعلمية، والقبلية ما لا يحصيه إلا الله سبحانه وتعالى. ولا أعلم دليلًا من كتاب أو سنة صحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو قول عالم ممن يحتج بعلمه يفتي بأنه لا يجوز تجمع راشد ملتزم بآداب الكتاب والسنة في ظل الإمام العام، أو أن لا تجمع إلا بإذن الإمام العام.

وأما مشروعية الجماعة وقت انحراف الإمام العام أو تقصيره أو غيابه فهو أمر لازم واجب. ألا ترى في قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (وإذا أسأت فقوموني) . إنها دعوة إلى الضغط على الإمام المنحرف ولا يكون ذلك إلا بقوة الجماعة لا بقوة الفرد الذي يمكن أن يؤخذ إذا لم يكن هناك نصير له، وكذلك يفهم من قوله صلى الله عليه وسلم [إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن كره فقد برى ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع. قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم قال: لا .. ما صلوا] (رواه مسلم) .

فهذا إقرار ضمني من الرسول صلى الله عليه وسلم بمشروعية الجماعة لتغيير منكر الإمام وكذلك بوجوب الإنكار عليه عند رؤية المنكر الذي هو دون ترك الصلاة، ووجوب قتاله عند تضييع الصلاة، ولا يكون هذا ولا هذا إلا في إطار جماعة عاملة فاعلة تستطيع أن توصل رأيها عند فسق الإمام، وتستطيع أن تزيله، إذا ترك الصلاة أو كفر كفرًا بواحًا لا تأويل له ولا تفسير إلا بالكفر.

ولا شك أن من رأى ضيعة الدين والإسلام وزوال أحكام الشريعة، وتبدل أصول الدين ثم هو يفتي بعدم مشروعية الجماعة من أجل إزالة هذه المنكرات أقول: لا شك أن من أفتى بذلك فقد أخطأ الطريق. وأمر الناس بترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو قوام حياة هذه الأمة وسر وجودها، ولولاه ما بقي الدين والإسلام، وإذا كان المقصود من إنكار المنكر وزواله، ومن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت