وأجاب رحمه الله عن اشتراط النية قبل الفجر بأن النية تتبع العلم، وأن الله لا يكلف أحدًا أن ينوي ما لم يعلم، والعلم لم يحدث إلا في أثناء النهار، أي لو أخر النية بعد العلم لا يصح صومه ولا يكلف أن ينوي قبل أن يعلم [1] .
قال الشيخ ابن عثيمين:"ولا شك أن تعليله قوي رحمه الله. . . وكون الإنسان يقضي يومه ويبرئ ذمته عن يقين خيرًا من كونه يأخذ بقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وإن كان له حظ قوي من النظر" [2] .
• العنصر الثامن: من يجوز له الفطر في رمضان وماذا يجب عليه:
الذي يتناول المفطر في رمضان له ثلاث حالات: إما أن يكون ناسيًا وإما أن يكون متعمدًا غير معذور أو متعمدًا معذورًا.
1_ فالأول وهو الناسي: فإنه لا يبطل صومه ولا يجب عليه القضاء، فإن الله سبحانه هو الذي أطعمه وسقاه، فليس هذا الأكل والشرب يضاف إليه فيفطر، وإنما يفطر بما فعله، وهذا بمنزلة أكله وشربه في نومه إذ لا تكليف بفعل النائم ولا بفعل الناسي [3] لكن يجب عليه إذا تذكر أن يقلع حتى إذا كانت اللقمة أو الشربة في فمه فإنه عليه أن يلفظها، ودليل تمام صومه قول النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه من حديث أبي هريرة: (( من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه ) )ولأن النسيان لا يؤاخذ به المرء في فعل محظور لقوله تعالى: (( ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ) )فقال الله: قد فعلت [4] .
2_ وأما الثاني وهو المتعمد بلا عذر:
(أ) إن كان أفطر بغير الجماع:
فقال شيخ الإسلام:"فهؤلاء يجب عليهم القضاء عن كل يومٍ يومًا، كما يجب القضاء على من فوّت الصلاة لأنه إذا وجب القضاء على المعذور فعلى غير المعذور أولى، مع أن الفطر متعمدًا من الكبائر، وفوات العين باقي ذمته، وعليه أن يتوب منه، وهو أعظم من أن يمحوه كفارة مقدرة أو تكرار الصيام أو غير ذلك" [5] ولأنه يجب عليه أمرين: وجوب صوم ذلك اليوم المعين، ووجوب صوم يوم. وفوات أحدهما لا يوجب سقوط الآخر [6] وهذا معنى كلام الإمام أحمد رحمه الله.
-وذكر الشيخ علي الغامدي أن الذي يراه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عدم وجوب القضاء، ويتوب إلى الله ويستغفره ويكثر من فعل الخير لأنها عبادة فات وقتها ولا يمكن القضاء لعدم العذر كترك الصلاة عمدًا [7] .
(ب) أما من أفطر بوطء عمدًا:
فيجب عليه الكفارة، ولا خلاف في هذا إلا ما يروى عن ابن سيرين والنخعي والشعبي وسعيد بن جبير ولا حجة لهم بل الدليل قائم على خلاف قولهم.
وهو حديث أبي هريرة في قصة الرجل الذي قال: (( وقعت على امرأتي في رمضان فذكر له الرسول صلى الله عليه وسلم الكفارة. . . [8] [9] .
3_ وأما الثالث: فهم أهل الأعذار وهم:
(1) الشيخ الكبير: ـ والكبر لا يرجى برؤه [10] ـ، فإنه يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا، ويسقط عنه الصوم لعدم القدرة، وتجب عليه الفدية لما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال في الشيخ والشيخة إذا لم يطيقا الصوم: يطعمان لكل يوم مسكينًا [11] في تفسير قوله تعالى: (( وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ) )
ويجزئه على الراجح الإطعام والتمليك [12] .
(2) المريض: والمريض له أحوال:
الأول: أن لا يتأثر بالصوم، مثل الزكام اليسير، فهذا لا يحل له أن يفطر.
الثاني: إذا كان يشق عليه الصوم ولا يضره، فهذا يكره له أن يصوم ويسن له أن يفطر.
الثالث: إذا كان يشق عليه الصوم ويضره، فالصوم عليه حرام [13] لقوله تعالى: (( ولا تقتلوا أنفسكم ) )والنهي هنا يشمل قتل الروح ويشمل ما فيه الضر، والمريض في هذه الحالة إن كان لا يرجى برؤه يُطعم، وإن كان يرجى برؤه يقضي.
س / لو عوفي من لا يرجى برؤه قبل أو بعد الفدية فهل يقضي؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"وإن قوي الشيخ أو العجوز بعد ذلك على قضاء، أو عوفي المريض الميؤوس من برئه بأن زال عطاشه وزال شبقه ونحو ذلك بعد إخراج الفدية، فقال أصحابنا لا قضاء عليه، كما قالوا في المعضوب إذا حج عن نفسه ثم قوي؛ لأن الاعتبار بما في اعتقاده، ولأنه لو اعتقد أنه يقدر على القضاء ثم مات قبل القدرة عليه، لم يكن عليه شيء، فكذلك إذا اعتقد أنه لا يقدر عليه ثم قدر، وخرج بعضهم وجهًا بوجوب القضاء إذا قدر عليه لدخوله في عموم قوله: (( ومن كان مريضًا ) )، ولأنها بدل إياس، وقد تبينا زوال الإياس، فأشبه من اعتدت بالشهور عند اليأس من الحيض ثم حاضت."
(1) المصدر السابق.
(2) الشرح الممتع (6/ 343) .
(3) زاد المعاد (2/ 59) بتصرف يسير.
(4) فقه العبادات ص 257.
(5) كتاب الصيام (1/ 267) .
(6) كتاب الصيام (1/ 272) .
(7) اختيارات ابن قدامه الفقهية (568) .
(8) متفق عليه.
(9) اختيارات ابن قدامه (567) .
(10) الشرح الممتع (6/ 347) .
(11) البخاري في التفسير.
(12) الشرح الممتع (6/ 351) .
(13) انظر الأحوال في الشرح الممتع (6/ 352) .