الصفحة 46 من 304

قلت: وهو الراجح إن شاء الله تعالى لأن العبادة المنعقدة بدليل شرعي لا تبطل إلا بدليل شرعي والأصل عدم النقض وأما حديث (( قاء فتوضأ ) )فهو فعل والفعل لا يرتقي إلى الوجوب وإنما هو للاستحباب، وقياس الخارج من غير السبيلين على الخارج منهما قياس باطل لأنه مع الفارق. والله أعلم.

مسألة: (و) الثالث من النواقض (زوال عقل) أي تغطيته، قال أبو الخطاب: ولو تلجم ولم يخرج منه شيء إلحاقًا بالغالب. واعلم أن زوال العقل وذهاب الشعور ناقض مطلقًا سواءً كان بنوم مستغرقٍ أو بإغماء أو جنون لأن ذهاب الشعور مظنة قوية لخروج الحدث ولا يشعر به صاحبه فنزلت هذه المظنة منزلة اليقين لحديث صفوان بن عسال (( لكن من غائط وبول ونوم ) )وحديث معاوية بن أبي سفيان مرفوعًا (( العين وكاء السه، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء ) )رواه أحمد والطبراني وحسنه المنذري، وحكى الموفق والنووي وغيرهما إجماع الأمة على انتقاض الوضوء بالجنون وبالإغماء لأنه في معنى النوم وأولى. وفي الصحيحين (( إنه(أغمي عليه ثم أفاق فاغتسل ) )وقيدناه بالاستغراق المذهب للشعور لأنه (كان يضع جنبه بعد ركعتي الفجر وينام حتى ينفخ فيصلي ولا يتوضأ لأنه كانت تنام عيناه ولا ينام قلبه كما في حديث عائشة في الصحيحين، فلو أحدث لأحس بحدثه، ولحديث أنس قال:(( كان أصحاب رسول الله(على عهده ينتظرون العشاء حتى تخفق رؤوسهم ثم يصلون ولا يتوضئون ) )رواه أبو داود وأصله في مسلم، فصار النوم له أربع حالات: طويل وقصير مستغرق فهي ناقضة لأنها أذهبت الشعور، وطويل وقصير غير مستغرق لا ينقض وهذا هو المراد بقول المصنف (إلا يسير نوم) أي فلا ينقض إن كان (من قائم أو) كان من (قاعد) لأنهما لا ينفرج فيهما مخرج الحدث فلا ينقض. قال الشيخ تقي الدين: النوم اليسير من المتمكن بمقعدته لا ينقض الوضوء عند جماهير العلماء من الأئمة الأربعة وغيرهم لأن النوم ليس بحدث ولكنه مظنة للحدث اهـ. ولحديث ابن عباس (( إنما الوضوء على من نام مضطجعًا ) )رواه أبو داود وسنده ضعيف.

وقال غير واحد الصواب ما صرح به أهل التحقيق: أن النوم الناقض هو المستغرق الذي لا يبقى معه إدراك اهـ. قال الزركشي: ولابد في النوم الناقض من الغلبة على العقل فمن سمع كلام غيره وفهمه فليس بنائم، ومن سمعه ولم يفهمه فيسير، إنما الناقض زوال العقل اهـ. وعن الإمام أحمد أنه لا نقض بالنوم مطلقًا، واختار الشيخ تقي الدين أنه إن ظن بقاء طهره فلا نقض، وإلا فهو ناقض والله تعالى أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت