""""""صفحة رقم 5""""""
كان ما وعد أن يكون ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن ، وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر العميق ، وأخوض غمرته خوض الجسور ، لا خوض الجبان الحذور ، وأتوغل في كل مظلمة ، وأتهجّم على كل مشكلة ، وأتقحم كل ورطة ، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة ، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة ، لأميز بين محق ومبطل ، ومتسنن ومبتدع ، لا أغادر باطنيًا إلا وأحب أن أطلع على باطنيته ، ولا ظاهريًا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته ، ولا فلسفيًا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته ، ولا متكلمًا إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيًا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته ، ولا متعبدًا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته ، ولا زنديقًا معطلًا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته . وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديني ، من أول أمري ، وريعان عمري ، غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي ، وحتى انحلت عني رابطة التقليد ، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا ، إذ رأيت: صبيان النصارى لا يكون لهم