يقول الدكتور الهلابي: وهذه الروايات التي تروي بأن السبئية قالت لعلي: أنت خالقنا ورازقنا لا يمكن أن يقبلها المنطق السليم ، إذ لا نعرف أحدًا من العرب عبد إنسانًا واعتقد أنه هو الخالق الرزاق ، لا في الجاهلية ولا في الإسلام ، بل لا نعرف أن أحدًا من المسلمين ارتد عن دين الله ارتدادًا صريحًا بعد الردة التي حدثت بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-مباشرة ... لماذا يعاقبهم علي بالإحراق في النار وهي عقوبة غير مألوفة لا في عهد الرسول -صلى الله عليه وسلم-ولا في عهد الخلفاء الراشدين قبله ؟ ألا يمكن أن يضربهم بالسياط ليستتيبهم فإن لم يتوبوا قتلهم بالسيف ؟ [22] .
إن خبر إحراق علي رضي الله عنه لطائفة من الزنادقة المرتدين تكشف عنه الروايات الصحيحة في كتب الصحاح والسنن والمعاجم ، فقد ذكر الإمام البخاري في كتاب استتابة المرتدين في صحيحه عن عكرمة قال: أتي علي رضي الله عنه بزنادقة فأحرقهم ، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم لنهي النبي - صلى الله عليه وسلم-: (لا تعذبوا بعذاب الله ، ولقتلتهم لقول الرسول صلى الله عليه وسلم:(من بدل دينه فاقتلوه) [23] .
ولفظ الزندقة ليس غريبًا عن عبد الله بن سبأ وطائفته ، يقول ابن تيمية: إن مبدأ الرفض إنما كان من الزنديق عبد الله بن سبأ [24] . ويقول الذهبي: عبد الله ابن سبأ من غلاة الزنادقة ، ضال مضل [25] ، ويقول ابن حجر: عبد الله بن سبأ من غلاة الزنادقة ... وله أتباع يقال لهم السبئية معتقدون الإلهية في علي بن أبي طالب ، وقد أحرقهم علي بالنار في خلافته [26] ، ويقول في موطن آخر بأن أحد معاني الزندقة الادعاء بأن مع الله إلهًا آخر [27] ، وهذا المعنى قال به ابن سبأ وأتباعه ، وجزم بذلك أصحاب المقالات والفرق والمحدثون والمؤرخون .