ولكن الذي يتوقف عنده الكثيرون وربما قل من يفطنون إليه هو أن اللغة العربية في عصر بدء نزول القران في مطلع القرن السابع للميلاد على قلة الناطقين بها يومذاك كانت هي دون منازع أرقى لغات العالم القديم ليس فحسب أرقاها بلاغة فصاحة وجمالا وانما أيضا بالمقياس اللغوي البحت أرقاها دقة وكمالا إنها لغة الإيجاز البليغ لغة اجتمعت لها كل الحروف وصحت المخارج: لا تندغم في الحلق ولا تتآكل على أطراف اللسان ولا تتحور في ذبذبات اللهاة فيها ما يقرع السمع عنيفا وفيها الدمث اللين وما بين بين لا تعرف اللواصق من رواكب وروادف تنحت الألفاظ والأوزان للمعنى وضده والمعنى وقريبه والمعنى والمشتق منه والمعنى والمتداخل معه ما أن يقع بصرك على اللفظ حتى يستعلن لك بكل معناه ودلالاته لغة تفننت في أوزانها ونوعت في تراكيبها طرائق شتى تمد بالإعراب أواخر الكلم تهمز وتسهل وتصل وتقف وتنون وترخم فما استعصى عليها نغم فاستحقت اللغة العربية يوم أن نزل القران أن تظفر هي بلغته والتقريع على أذان السامعين ببيانه