""""""صفحة رقم 26""""""
الفرات ، وبكي بين يديه بكاء شديدًا ، رق له منه وسأله حراسة نفس ولده أبي عمر والتصدق عليه به . فقال أبو الحسن: الجناية عظيمة ، ولا يمكن تخليته إلا بمال جليل يطمع الخليفة فيه من جهته . فبذل يوسف أن يفقر نفسه وابنه طلبًا لبقائه . وتلطف ابن الفرات فيما قاله المقتدر بالله وقرر أمر أبي عمر على مائة ألف دينار ، فأدى منها تسعين ألفًا ، من جملتها خمسة وأربعون ألفًا كانت عنده للعباس بن الحسن ، وأمره ابن الفرات بعد ذلك بملازمة داره وألا يخرج منها لئلا يجعل له حديث مجدد . وكان أبو القاسم سليمان بن الحسن بن مخلد مدلًا على أبي الحسن بن الفرات بمودة بين أسلافه وبين أبي جعفر والد أبي الحسن وأبي العباس عمه ، وباختصاصه هو به ، فوجه أبو الحسن الكتب إلى أصحاب المعاون في البيعة لعبد الله بن المعتز بخطه ، فلم يظهر ذلك المقتدر بالله ولا ذكره ، واعتمد التقديم له والتنويه به ، وكان سليمان قد تقلد لعلي بن عيسى مجلس العامة في ديوان الخاصة . فقلده ابن الفرات هذا الديوان رئاسة . ثم إن سليمان شرع لأبي الحسن بن عبد الحميد في الوزارة ، وعمل في ذلك نسخةً بخطه عن نفسه إلى المقتدر بالله يسعى فيها بابن الفرات وكتابه وضياعه وأمواله ، وقام ليصلي صلاة المغرب مع جماعة من الكتاب فسقطت من كمه ، فأخذها الصقر بن محمد الكاتب ، وكان إلى جانبه ، فحملها إلى ابن الفرات من وقته ، فلما وقف عليها قبض عليه وحدره في زورق مطبق إلى واسط ، وقد أوردنا مستأنفًا ما فعله معه بعد ذلك . ومضى لأبي الحسن بن الفرات في وزارته هذه ثلاث سنين وثمانية أشهر وأربعة عشر يومًا ، اختلفت عليه الأمور فيها ، وحدثت الحوادث في متصرفاتها ومجاريها وحضر عيد النحر من سنة تسع وتسعين ومائتين فاحتيج فيه من النفقات إلى ما جرت العادة به ، وكانت المواد قد قصرت ، والمؤن قد تضاعفت ، وطلب من المقتدر بالله أن يعطيه من بيت مال الخاصة ما يصرفه في نفقات هذا العيد ، فمنعه ذلك ، وألزمه القيام به من جهته ، فأقام على أنه لا وجه له إلا مما يعان به ، ووجد بذلك أعداؤه الطريق إلى الوقيعة فيه . وركب في يوم الأربعاء لأربع خلون من ذي الحجة إلى دار الخلافة وهو على غاية السكون والطمأنينة ، وجلس في الموضع الذي كان يجلس فيه قبل الوصول إلى السلطان ، فقبض عليه وعلى محمد ابن أحمد الكلوذاني وكان يكتب بين يديه وعلى محمود بن صالح وكان معه من أصحابه ، ومضى القواد للقبض على أسبابه وكتابه فقبضوا على عبد الله