الصفحة 57 من 158

فقوله:"كان إذا استوى على راحلته خارجًا إلى سفر: كبر ثلاثًا"هو افتتاح لسفره بتكبير الله، والثناء عليه، كما كان يختم بذلك.

وقوله - صلى الله عليه وسلم -:"سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين [1] ، وإنا إلى ربنا لمنقلبون" [2] فيه الثناء على الله بتسخيره للمركوبات، التي تحمل الأثقال والنفوس إلى البلاد النائبة، والأقطار الشاسعة، واعتراف بنعمة الله بالمركوبات.

وهذا يدخل فيه المركوبات: من الإبل، ومن السفن البحرية، والبرية، والهوائية. فكلها تدخل في هذا.

ولهذا قال نوح عليه السلام للراكبين معه في السفينة: { ارْكَبُواْ فِيهَا بِسْمِ اللّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } . [3]

فهذه المراكب، كلها وأسبابها، وما به تتم وتكمل، كله من نعم الله وتسخيره. يجب على العباد الاعتراف لله بنعمته فيها، وخصوصًا وقت مباشرتها.

وفيه: تذكر الحالة التي لولا الباري لما حصلت وذللت في قوله:"وما كنا له مقرنين"أي مطيقين، لو رَدَّ الأمر إلى حولنا وقوتنا، لكنَّا أضعف شيء علمًا، وقدرة وإرادة، ولكنه تعالى سخر الحيوانات وعلَّم الإنسان صنعة المركوبات، كما امتن الله في تيسير صناعة الدروع الواقعية في قوله:

{ وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُم مِّن بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ } .

سورة الأنبياء - آية 80

لَبُوسٍ: درع تلبسونها وقت الحرب

بَأْسِكُمْ: حربكم وشدكم وقوتكم

فعلى الخلق أن يشكروا الله، إذ علمهم صناعة اللباس الساتر للعورات، ولباس الرياش، ولباس الحرب وآلات الحرب. وعلمهم صنعة الفلك البحرية والبرية والهوائية، وصنعة كل ما يحتاجون إلى الانتفاع به، وأنزل الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس متنوعة. ولكن أكثر الخلق في غفلة عن شكر الله، بل في عتو واستكبار على الله، وتجبر بهذه النعم على العباد.

(1) مطيقين تذليله وتسخيره .

(2) راجعون يوم القيامة .

(3) سورة هود - آية 41 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت