الصفحة 58 من 158

وفي هذا الحديث التذكر بسفر الدنيا الحِسِّي لسفر الآخرة المعنوي؛ لقوله:"وإنا إلى ربنا لمنقلبون"فكما بدأ الخلق فهو يعيدهم ليجزي الذين أساءوا بما عملوا، ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى.

وقوله:"اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى".

سأل الله أن يكون السفر موصوفًا بهذا الوصف الجليل، محتويًا على أعمال البر كلها المتعلقة بحق الله والمتعلقة بحقوق الخلق، وعلى التقوى التي هي اتقاء سخط الله، بترك جميع ما يكرهه الله من الأعمال، والأقوال، الظاهرة والباطنة، كما سأله العمل بما يرضاه الله.

وهذا يشمل جميع الطاعات والقربات. ومتى كان السفر على هذا الوصف، فهو السفر الرابح، وهو السفر المبارك.

وقد كانت أسفاره - صلى الله عليه وسلم - كلها محتوية لهذه المعاني الجليلة.

ثم سأل الله الإعانة، وتهوين مشاق السفر، فقال:"اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطَوِعَنَّا بعده"لأن السفر قطعة من العذاب. فسأل تهوينه، وطَيَّ بعيده. وذلك بتخفيف الهموم والمشاق، وبالبركة في السير، حتى يقطع المسافات البعيدة، وهو غير مكترث، ويقيّض له من الأسباب المريحة في السفر أمورًا كثيرة، مثل راحة القلب، ومناسبة الرفقة، وتيسير السير، وأمن الطريق من المخاوف، وغير ذلك من الأسباب.

فكم من سفر امتد أيامًا كثيرة، لكن الله هونه، ويسره على أهله. وكم من سفر قصير صار أصعب من كل صعب. فما ثَمَّ إلا تيسير الله ولطفه ومعونته.

ولهذا قال في تحقيق تهوين السفر:"اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر"أي: مشقته وصعوبته"وكآبة المنظر"أي: الحزن الملازم والهم الدائم"وسوء المنقلب، في المال والأهل الوالد"أي: يا رب نسألك أن تحفظ علينا كل ما خلّفناه وراءنا، وفارقناه بسفرنا من أهل وولد ومال، وأن ننقلب إليهم مسرورين بالسلامة، والنعم المتواترة علينا وعليهم؛ فبذلك تتم النعمة، ويكمل السرور.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت