وعلى الرغم من شيوع تلك اللغة في العصر الجاهلي، وأنها أصبحت لغة الأدب عامة، وأن القبائل العربية قد اصطلحت فيما بينها على هذه اللغة الفصحى، وأن الشعراء كانوا على اختلاف قبائلهم وتباعدها وتقاربها ينظمون شعرهم في تلك اللغة، وأن الواحد منهم إذا أراد نظم الشعر تجافى عن لهجة قبيلته المحلية إلى تلك اللهجة الأدبية العامة، بالرغم من ذلك كله كانت هناك لهجات كثيرة تميزت بها بعض القبائل، وظلت آثارها واضحة على ألسنتها إلى القرن الثاني للهجرة، حيث سجلها بعض اللغويون، وأطلقوا عليها ألقابًا تدل على استهجان هذه اللهجات ولم يكونوا يُعنون بنسبة هذه اللهجات إلى أصحابها؛ فقد كانت تهمهم الصحة اللغوية، وكأنهم يريدون التنبيه على ما يخالف اللغة الأدبية العامة التي نزل بها القرآن؛ ولهذا يلاحظ أنهم قد يختلفون في نسبة اللهجة؛ فقد ينسبها عالم إلى قبيلة، وينسبها غيره إلى قبيلة أخرى.
ومن اللهجات التي كانت معروفة عند بعض قبائل العرب ما يلي:
1_ الكشكشة: وهي في ربيعة ومضر، وقد تروى لأسد، وهوازن.
والكشكشة: هي إبدال كاف الخطاب في المؤنث شينًا في حالة الوقف وهو الأشهر، وبعضهم يثبتها في حال الوصل _أيضًا_.
فيقولون في رأيتكِ: رأيتكش، وبكِ: بكش، وعليكِ: عليكش.
وبعضهم يجعل الشين مكان الكاف ويكسرها في الوصل، ويسكنها في الوقف فيقولون في مررت بك اليوم: مررت بشِ اليوم، وفي مررت بكْ في الوقف: مررت بشْ.
وأنشدوا على ذلك قول المجنون:
فعيناش عيناها وجيدش جيدها ... ولكن عظم الساق منشِ دقيق
يريد: عيناك، وجيدك، ومنك.
وقول الآخر:
يا دار حييت ومن ألمَّ بش ... عهدي ومن يحلل بواديش يَعِش
يريد: بكِ، وبواديكِ.
2_ الكسكسة: وهي إبدال كاف المخاطبة سينًا، أو زيادة سين على كاف المخاطبة؛ وهي كالكشكشة إلا أن السين تحل محل الشين، في هذه اللهجة.