الصفحة 17 من 21

إخواننا المسلمين والمخالفين لنا أن يهديهم الله الصراط المستقيم ، لذلك نقول له: بما أن لكم عبارات سابقة توضح صراحة اشتراطكم الاستحلال القلبي في الأقوال والأعمال المكفرة وأنكم تفرقون بين القول والعمل والاعتقاد في ذلك وهذا من خلال اعتنائكم بطباعة كتاب (أحكام التقرير) وعدد غير قليل من كتبكم وأشرطتكم فلماذا لا تصرحون بالصراحة ذاتها في نفي ذلك عنكم ، كأن تقول مثلًا:

((( كلُّ ما كان كفرًا أكبر فهو مخرجٌ من الملة سواءً كان ذلك قولًا أو عملًا أو اعتقادًا ولا فرق بين أيٍّ منها ، فمن وقع في ذلك الكفر كفرناه ولو لم يعتقد أو يستحل: فسب الله ورسوله والسجود لصنم والذبح لغير الله والنذر لغير الله وإظهار المشركين على المسلمين وغير ذلك مما عدَّه الشارع كفرًا فإنه عندنا مخرج من الملة حتى ولو قال أنا لا أعتقد ذلك ولكن فعلته طمعًا في امرأة أو مالٍ أم منصبٍ أو جاهٍ أو حكمٍ أو غير ذلك من شهوات الدنيا ، ولا يرفع عنه الكفر إلا الموانع الثلاث المتفق عليها عند السلف وهي: الإكراه والخطأ-غير العمد- والجهل ومنه الشبهة والتأويل. ) ))

قد يقول الحلبي هذا ليس كلامي بل كلام الحافظ ابن القيم ، فنقول له: أولًا هذا فهمك لكلام ابن القيم وهناك من يفهمه فهمًا آخر .

وثانيًا: ابن القيم ليس له كلام صريح في اشتراط الاستحلال وأنت لك كلام صريح في ذلك لا يقبل الشك .

وثالثًا: ابن القيم غير متهم بالإرجاء وأنت متهم ولو ممن تعدَّهم مغرضين أو جائرين أو خوارج معاصرين إلى آخر القائمة ، فيلزمك إيضاح ذلك وضوحًا لا يقبل الشك تُخرس به كل مخاصم و تلزم به كل معاند أو متهم لك .

فهل نحظى من فضيلة الشيح علي بن حسن الحلبي بكلام صريح كالذي بين الأقواس الثلاث المسطور آنفًا ينهي المشكلة ويجعلنا ندافع عنه أمام الذين يتهمونه بالإرجاء في هذه المسألة على الأقل .

المسألة الثانية:

هل ترك عمل الجوارح بالكلية مخرج من الإسلام أم لا ؟ وما هو قول الشيخ علي في ذلك؟

هذه المسألة هي إحدى المسألتين التي خالف فيها بعضُ اخواننا أهلَ السنة والجماعة وفيها صدرت أكثر من فتوى للجنة الدائمة ، وقد كثر الكلام حولها ، وتتلخص في أن السلف كانوا يرون أن تارك العمل بالكلية - جنس العمل - كافر كفرًا أكبر ، وذلك لأن انتفاء عمل الجوارح يلزم منه انتفاء عمل القلب ، و انتفاء اللازم الظاهر يقتضي انتفاء الملزوم الباطن ، ويمتنع أن يقوم إيمان بالقلب من غير حركة بدن.

وكما قلت الكلام في ذلك كثير لكني سأنقل أصرحه لأربعة فقط من أئمة أهل السنة والجماعة: الشافعي وأحمد والآجري وابن تيمية .

أمَّا الشافعي فقال: (( وكان الإجماع من الصحابة والتابعين من بعدهم ومن أدركناهم يقولون: الإيمان قول وعمل ونية لا يجزئ واحد من الثلاث إلا بالآخر ) )انظر: كتاب الإيمان لابن تيمية (ص292)

وأمَّا أحمد فعندما ذكرت عنده المرجئة وقيل له: إنهم يقولون إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن فقال: المرجئة لا تقول هذا ، بل الجهمية تقول بهذا ، المرجئة تقول: حتى يتكلم بلسانه وإن لم تعمل جوارحه والجهمية تقول إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه ، وهذا كفر ، إبليس قد عرف ربه فقال: { رب بما أغويتني } )) انظر: السنة للخلال والمسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة ( 1/ 73) .

وأمَّا الآجري فقال كما في كتاب الشريعة ( 1/274 ) : (( اعلموا: أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب، والتصديق، إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقًا، ولا تجزئ معرفة بالقلب، ونطق باللسان ،حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الخصال الثلاث: كان مؤمنًا . دل على ذلك الكتاب والسنة، وقول علماء المسلمين فالأعمال - رحمكم الله تعالى - بالجوارح: تصديق للإيمان بالقلب واللسان، فمن لم يصدق الإيمان بعمل جوارحه: مثل الطهارة، والصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والجهاد، وأشباه لهذه، ورضي من نفسه بالمعرفة والقول ،لم يكن مؤمنًا ، ولم تنفعه المعرفة والقول ، وكان تركه العمل تكذيبًا منه لإيمانه، وكان العمل بما ذكرنا تصديقًا منه لإيمانه، وبالله تعالى التوفيق.

وأما ابن تيمية فقال في شرح العمدة ( 2/86 ) : (( الإيمان عند أهل السنة و الجماعة قولٌ و عملٌ كما دل عليه الكتاب و السنة و أجمع عليه السلف و على ما هو مقرر في موضعه فالقول تصديق الرسول و العمل تصديق القول فإذا خلا العبد عن العمل بالكلية لم يكن مؤمنًا و أيضا فإن حقيقة الدين هو الطاعة و الانقياد و ذلك إنما يتم بالفعل لا بالقول فقط فمن لم يفعل لله شيئا فما دان لله دينًا و من لا دين له فهو كافر ) ).

لكن الأخ علي الحلبي وغيره من طلبة العلم الجدد الذين لم يتمكنوا من مسائل الاعتقاد وبخاصة مسائل الإيمان والكفر ولم يدرسوها على علماء لهم عناية بها نجد منهم كل يوم قولًا واختلافًا وتناقضًا فمرة يوافقون الحق ومرة يخالفونه ، لكن لأن مصدر قراءاتهم كتب أهل السنة فهم لا يوافقون المرجئة أو الخوارج في كل ما اختلفوا فيه مع أهل السنة لكن تفوتهم بعض

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت