فإذا أتى العبد بطاعته بهذه الحقوق الستة فقد أتَتْ طاعته على وجد كامل تامٍّ - إن شاء الله تعالى- ، وإذا تخلَّف شيءٌ- أصلًا أو كمالًا - اعترى طاعته من النقص بقدر ما أصابه من نقص تلك الحقوق.
فهنا يكون العبد في حال محاسبة لنفسه في اعتراء النقص طاعته، إذ كل حق من هذه الحقوق أساسٌ في تمام عبادة العبد.
النوع الثاني: أن يحاسب نفسه على كل عَمَلٍ تَرْكُهُ خيرٌ له من فعله، فبعضُ الأعمال يكون الأمر فيها مترددًا بين الفعل وبين الترك، وقد يكون في الترك خيرية أكبر من الفعل، ككثير من المباحات.
فيحاسب العبد نفسه - هنا - على فعله العمل إذْ كان تَرْكُه خيرًا، وليس المقصود أن يحاسبها من حيث الجهةُ الشرعية، بل المقصود من حيث تهذيب النفس، ومن حيث الورعُ.
فقد كان كثير من السلف يتركون المباحات خشية الوقوع في المنهي، وقد يكون ترك المباح من قبيل تهذيب النفس، كما هو شأن بعض من الصالحين.
وقد يكون العمل المقصود في النوع شيئا من المكروهات، فإنَّ تَرْكَها خيرٌ من فعلها، من حيث الجهةُ التشريعية، ومن حيث الجهة السلوكيةُ التهذيبية.
النوع الثالث: أن يحاسب نفسه على أمرٍ مباحٍ أو معتادٍ لِمَ فعلَهُ؟ وهل أراد به الله والدارَ الآخرة؛ فيكون رابحًا، أو أراد به الدنيا وعاجلها، فيخسر ذلك الربح ويفوته الظفر به؟
وهذا النوع مما لا يكاد يوجد بين الناس اليوم، فإن المباحات والعوائد كثيرة وقد يكون منها ما هو سابلةٌ للشر والضُّرِّ مِنْ غير أن يشعر العبد بذلك.
فمحاسبة العبد نفسه على المباحات والعوائد والتدقيق معها فيها قد يكون فيه تخلُّصٌ من كثير منها، وتعديل وتصحيح لجملةٍ أخرى.