فإذا أصبح العبد وفرغ من فريضة الصبح، ينبغي أن يفرِّغ قلبه ساعةً لمشارطة النفس - كما أن التاجر عند تسليم البضاعة إلى الشريك العامل يفرغ المجلس لمشارطته، فيقول للنفس: ما لي بضاعة إلا العمر، ومهما فني فقد فني رأس المال، ووقع اليأس من التجارة وطلب الربح، وهذا اليوم الجديد أمهلني الله فيه؛ وأنسأ في أجلي، وأنعم عليَّ به، ولو توفاني لكنت أتمنى أن يرجعني إلى الدنيا يومًا واحدًا حتى أعمل فيه صالحًا. فاحسبي أنك قد توفيت، ثم رددت، فإياك ثم إياك أن تضيعي هذا اليوم، فإن كل نفس من الأنفاس جوهرة لا قيمة لها» [1] - ثم قال - رحمه الله: «فهذه وصيته لنفسه في أوقاته، ثم ليستأنف لها وصيةً في الأعضاء السبعة» ... اهـ.
فبمراعاة هذه المشاركة يستطيع العبد أن يمسك زمام نفسه، وأن يكبح جماحها، فيكون بينهما عهدٌ وميثاق على لزوم شيء ما وعلى ترك آخر، ولا بد أن يكون مع ذلك متصفًا بثلاث صفات حتى يتحقق ما يريد:
الصفة الأولى: الحزم، فلا يكون ذا لينٍ في موطنٍ شدة، ولا يكون هينًا في غير موضعه.
الصفة الثانية: الصدق، فإنه لَمْ يُفْلحُ في تهذيب نفسه إلا كل مَنْ كان صادقًا معها، والصدق معها ضامنٌ ثمرةً كبرى، والغايةُ محقَّقة.
ومن الصدق أن لا يلتمس لها عذرًا في حال تقصيرها بواجب، أو ركوبها لذنب، وأن لا يكون محسنًا الظنَّ بها؛ فحُسْنُ الظن نوع من الكذب والمخادعة.
ومن الصدق معها أن يكون دقيقًا في محاسبة نفسه، وأن لا يُغْفِلَ شيئًا من أفعالها دون الوقوف عنده ومحاسبتها عليه.
ومن الصدق مع النفس أن يكون صادقًا في محاسبتها، وأنه يريدُ منها السلامة من كلِّ آفة، والحظوة بكل مكرمةٍ وفضيلة.
(1) أي: لا قدَّر بقيمة، والله أعلم.