مر علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بالمقابر، فوقف عليها قليلًا وقال: السلام عليكم أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة، أنتم لنا سلف ونحن لكم تبع، وبكم عما قليل راجعون، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد وعمل للحساب وقنع بالكفاف ورضي في جميع أحواله عن الله تعالى.
ثم قال: يا أهل القبور، أما الزوجات فقد نكحت، وأما الديار فقد سكنت، وأما الأموال فقد قسمت، هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما إنهم لو تكلموا لقالوا: وجدنا خير الزاد التقوى.
يا من بدنياه اشتغل
وغره طول الأمل
الموت يأتي بغتة
هكذا الحياة «من كان له بصر يرى وعقل يدرك رأى أن حياة الإنسان مراحل، فلقد كان يومًا منطويًا على نفسه مكومًا في بطن أمه يعيش بين أحشائها، ولو كان يفكر يومئذ لظن أن هذه هي الحياة فهو يتمسك بها ولا يخرج منها إلا مرغمًا، ولو كان ينطق لحسب هذا الخروج موتًا ودفنًا في الأعماق مع أنه ولادة وانتقال إلى عالم أرحب هو هذه الدنيا، والذي نراه نحن موتًا وخروجًا من هذه الدنيا هو في الحقيقة ولادة وانتقال إلى عالم أرحب إلى عالم البرزخ... البرزخ بين الدنيا المادية الفانية والحياة الآخرة الباقية» .
أطوار يمر بها الإنسان في رحلته إلى الدنيا يحمل في طياتها أفراح وأتراح وعبر وعظات مرصودة الحركات والسكنات { مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ } [ق: 18] ، بل حتى مثقال الذرة لا يغادر { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [الزلزلة: 7، 8] .