الصفحة 36 من 204

"الإنسان المثقف المتعلم الذي كرس حياته لرفع مستوى علوم ذلك العصر فاتهموه بممارسة السحر والشعوذة ووسموه بصديق الشيطان."

ثاب"بالتازار كوسا"إلى رشده وحيره سؤال: كيف لم تتوصل محاكم التفتيش إلى هذه الجميلة؟

سار بطلنا في الممر وهو غارق في التفكير وقد تملكه شبح الحسناء واتجه نحو الباب الخارجي، لم يكن يدري في ذلك الوقت بعد كل ما حصل له في تلك الليلة، بدءًا من محاولة الاعتداء على حياته وجريمة القتل التي ارتكبها وما أعقبها من ملاحقة والمأوى الذي وجده في هذا البيت ولقاؤه مع هذه الحسناء.

لم يكن يدري أن كل هذه الأحداث كانت مصيرية بالنسبة له، وأنها ستكون نقطة تحول ليس في حياته فقط وإنما في التاريخ أيضًا، وأنها ستكون بحد ذاتها ذريعة وسببًا في عدم اعتراف خلفاء القديس"بطرس"اللاحقين بسلفهم"يوحنا الثالث والعشرين"ويتخذوا منها حجة لإنكاره والتبرؤ منه.

قد يكون من الجائز أن يصبح القرصان فيما بعد قسيسًا، ثم كاردينالًا وبعدها بابا معترفًا به، ولكن يصعب علينا أن نفهم الآن كيف أمكن لقاتل ولص شهير مارس السلب والنهب على اليابسة وفي البحر - كما سيرى القارئ - أن يصبح"بابا"هكذا مرةً واحدةً دون توبة ولو لأيام، لمجرد أن الصدفة وحدها قد قادته إلى هذه الفتاة؟

سار"بالتازار"على مهل في الممر تجاه الباب الذي تسلل منه وهبط إلى الحديقة، ثم أطلّ برأسه وألقى بحذر نظرة فاحصة على المكان خارجًا، ولما اتضح له - وكان الفجر قد انبلج- أنه لا يوجد أحد خرج إلى الشارع، توجه ببطء نحو الغرب باتجاه قلب المدينة وتوقف في أحد الأحياء ( وهو الحي الذي شيد فيه قبل خمس سنوات في بولونيا أكبر مجمع للقديس بيترونيا ) حيث كان ينتصب أمامه قصر صديقته السابقة الوفية"إيما دافيرونا"في هذا الصباح الباكر شعرت الفتاة ولأول مرة بعد وفاة والديها بإحساس الحرية التامة والسعادة عندما أفاقت لترى"بالتازار كوسا"عند سريرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت